ويعيد التاريخ نفسه، ويدور الشعور في التاريخ، ويخرج علم الكلام في بداية ثالثة ناشئا عن إعمال العقل في النص. ولما كان العقل صورة للجهد الإنساني ، فقد يكون أقرب إلى الهوى أو الرأي أو المصلحة أو سوء النية أو النفاق. ولما كان العقل أعور، أي لا يرى إلا من جانب واحد نشأت الفرق، كل منها يعبر عن جانب، وكلها نتيجة إعمال العقل! فهل هذه صورة العقل؟ ألا يوجد عقل بديهي لا دخل فيه للهوى؟ هل العقل سبب للسقوط والانحدار أم سبب للتطور والازدهار؟ ويقوم حكم العقل على القياس، ويعني القياس بالضرورة التماثل بين شبيهين، وهو قياس الشبه؛ ومن ثم يؤدي القياس إلى قياس الغائب على الشاهد؛ مما يؤدي بدوره إلى التقصير في حق الغائب، والغلو في حق الشاهد؛ أي إنزال الغائب إلى مستوى الشاهد، ورفع الشاهد إلى مستوى الغائب. فالقياس يقلل المسافة بين المثالي والواقعي حتى يتم إلغاؤها كلية في النهاية. وهي حقيقة معرفية تعبر عن الموقف الإنساني في إدراكه لنفسه وللعالم، فهو يعبر عن الغائب بالشاهد إن كان يريد الواقع والعمل والتاريخ، ويعبر عن الشاهد بالغائب إن كان الشاهد متأزما يريد دفعه إلى المثال ولو التعبير عنه بالتمني. وقياس العلة كقياس الشبه محاولة للسيطرة على العالم وإخضاعه بعد فهمه وتنظيره. هو قياس يبحث عن سبب الوجود ومن أجل اكتشاف قوانين الطبيعة حتى يسير الإنسان معها، يستمد منها قوته ويوحدها مع قواها. قامت المعارضة السرية في الداخل بالحكم على الخالق في الخلق وانتهت إلى الغلو، وقامت المعارضة العلنية في الداخل بالحكم على الخلق في الخالق وانتهت إلى التقصير. الأولى حلولية الصفات، والثانية مشبهة الأفعال. الأولى تشبه الخالق بالخلق، والثانية تشبه الخلق بالخالق.
41
وترد بعض الحركات الإصلاحية الحديثة الاعتبار لهذا المسار الطبيعي من الوحدة إلى التعدد، باعتبار أنه من صنع العقل والتفسير والتأويل لفهم النص وتعقيل العقيدة؛ فانفصام الوحدة وتحولها إلى فرق وشعب ليس ظاهرة سلبية تدل على عصيان، بل هي بداية الفكرة ونشأة الحضارة.
42
وقد ساهمت في ذلك عوامل عدة، منها عامل حضاري، وهو فعل الحضارات القديمة الدخيلة، وضرورة الرد عليها. ومنها عامل اجتماعي فقهي؛ أي فعل الأحداث الجديدة، وضرورة فهمها، واستنباط أحكام لها. ومنها عامل سياسي، أي التعبير عن الصراع بين السلطة والمعارضة. كما يتطلب ذلك معرفة الظروف القديمة التي أدت إلى نشأة الحضارة وكيفية نشأتها، ثم معرفة الظروف الحالية التي يمكن أن تساعد على نشأة حضارة جديدة، ثم مقارنة بين المرحلتين. فإذا تشابهت الظروف تشابهت الحلول والمواقف الحضارية، وإذا اختلفت الظروف اختلفت أيضا الحلول والمواقف، وتحتم إعادة الاختيار من جديد. وهنا تبدأ عملية تنقية التراث ونقد التراث، وإعادة الاختيار بين البدائل.
43
وبناء على ذلك حاولت الحركات الإصلاحية الحديثة إعادة وصف نشأة علم الكلام وتطوره لتصفيته من شوائبه التاريخية، والتوقف في مسائله العقائدية التي لا ينتج عنها أثر عملي لتغيير الواقع الحالي، بل والتي قد ينتج عنها أثر مضاد.
44
كما تهدف بعض الحركات الإصلاحية إلى العودة إلى الوحدة الأولى بطريق صحي تقضي على هذا التشتت والتفرق، وتعيد الوحدة الوطنية. فإذا كان الغرض من ذلك التوحيد بين المذاهب، فلا يعني ذلك التوحيد بين الجماعات، وتحقيق نوع من المصالحة الوطنية بين عدة قوى اجتماعية، بل يعني توحيد الفكر ذاته، والرجوع إلى الأصول الأولى وإعادة تفسيرها بناء على متطلبات الواقع، وتخليص المذاهب الفكرية من الوقائع التاريخية القديمة التي سببت نشأتها.
45
لذلك لا يعتبر ظهور الحركات الفكرية داخل الحضارة الإسلامية بدعا وأهواء، فذلك حكم قيمة وليس حكم واقع، بل هي حركات طبيعية عبرت عن البيئة الثقافية التي انتشر فيها الدين الجديد بأسلوب هذا الدين، وهي عملية حضارية طبيعية.