وطبقا لهذا التاريخ المعبر عنه بالصورة الفنية تئول الوقائع الحالية حسب الفكر المسبق على ما هو معروف في تاريخ الأديان باسم تنميط الوقائع؛ فأسئلة الفرق الكلامية كلها لا تخرج عن الأسئلة الأولى التي سألها إبليس، ويكون التاريخ حينئذ عودا على بدء، ومعيدا لنفسه.
36
والحقيقة أنه إذا كان هذا الوصف يعني الانحدار والسقوط والتشتت والتفرق، أي إذا كان وصفا سلبيا، كان جحدا للواقع، وإيقافا لحركة التاريخ، وإلغاء لعمل الفكر البشري، وقضاء على الحضارة. أما إذا كان هذا الوصف يشير إلى حركة إيجابية تظهر فيها أنماط الفكر في كل زمان ومكان، ودون حركة دورية، ودون إدانة للتاريخ، كان وصفا واقعيا يثبت الحركة والزمان والتاريخ. فالتقابل بين العقل والهوى، بين الموضوعية والذاتية، بين الخارج والداخل، بين الأمر والتلقائية، بين التسليم والرفض، تقابل يعبر عن الموقف الإنساني العام في كل زمان ومكان بإضافة بعض النضج في التجربة البشرية أثر تراكم التجارب والاستفادة منها، ثم تتحول البداية الزمانية الافتراضية الأولى في الصورة الفنية في أول العالم إلى بداية زمنية فعلية ساعة ظهور الوحي وإعلان النبوة. ويبدو التفسير النمطي للوقائع أيضا؛ فكل ما وقع من حوادث التاريخ وقعت أنماطه في الجيل الأول. ويصعب تغيير التاريخ دون نمط؛ ولذلك يكون تطور التاريخ في بنائه، ويكون ماضيه في حاضره، وحاضره ماضيه. يتم تفسير الحاضر بالماضي، والماضي بالحاضر؛ فالشعور الإنساني واحد، والموقف من الحياة واحد؛ فلا تاريخ بلا شعور، ولا شعور بلا تاريخ.
37
وفي كلتا الحالتين، البداية الأولى والبداية الثانية، يظهر الدرس المستفاد، وهو أن الانتقال من الوحدة إلى التشتت عمل من أعمال العقل، أو بتعبير أدق نقص في العقل، وتحكم بالهوى، وتأويل للنصوص، وإعمال للجهد. وكأن السؤال عن العلة جريمة تستحق العقاب، وكأن عقل الإنسان قاصر عن فهم الأسباب، بل ولا يجوز للإنسان أن يتساءل وأن يستدرك.
38
تعني البداية الأولى أن الإيمان بالتوحيد يقتضي التسليم، وأن أي استفهام بعد الإيمان يدل على عدم صدق الإيمان، مع أن إبراهيم سأل حتى يطمئن قلبه واستجيب لسؤاله؛ فالسؤال والاستفسار والاستدراك نزوع إنساني لا يجحد.
39
كما نشأت الشبهات في أول الزمان من إعمال العقل، فإنها نشأت أيضا في أول ظهور الوحي وإعلان النبوة من إعمال العقل، والسؤال والرغبة في المعرفة، والقياس والبحث عن العلة. فكل إعمال للعقل خروج على النبوة، وكل سؤال انحراف عنها. فالخوارج هم العقلاء، والعقلاء هم الخوارج! إن السؤال ليس شبهة، بل هو خلق حضاري، وبداية لتحدي الواقع وتنظيره بالفكر. والاستدراك ليس هدما، بل هو عثور على تصور متناسق للعالم حتى يشعر الإنسان بوئام معرفي مع الطبيعة يستطيع بعده من السيطرة على قوانينها وتسخيرها لصالحه. وما دام التفسير خلقا إنسانيا يعبر عن وجود الإنسان في موقف، فإنه يكون معبرا بالضرورة عن هذا الموقف الذي يتدخل فيه الهوى والانفعال والمصلحة. ويكون السؤال: هل هذا الهوى ذاتي أم موضوعي؟ هل هذه المصلحة فردية أم جماعية؟ وبالإجابة على ذلك يتحول الوحي إلى حضارة، والنبوة إلى تاريخ. وهذا كله ليس سلبا بل إيجاب، وليس نقصا بل كمال، وليس سقوطا بل رفع، وليس طردا أو حرمانا بل تكليف وحرية.
40
إن تحويل العالم الطبيعي إلى عالم مدرك ليس نفيا للوحي، بل هو تمثل للوحي كمعرفة قبل استعماله كموجه للسلوك، وتأصيله كبناء نظري مثالي للعالم. فالوحي لا يتحدث بنفسه، بل يعطيه الإنسان اتساقه العقلي، ويكتشف أساسه النظري. والإنسان ليس آلة تؤمر فتطيع، بل هو إمكانيات للفهم والتمثل، وقدرات السلوك القائم على البواعث، وإمكانية حركة تلقائية تعبر عن طبيعته المثالية. أوامر الوحي ليست قواهر وزواجر وموانع وروادع، بل موجهات للسلوك، وبواعث للفعل، تثبيت لغاية، وتأسيس لنظر، وازدهار لطبيعة، واكتمال لموقف.