46
فقد نشأ علم الكلام كنظرية في العقل، ومحاولة لتنظير الأحداث، وإيجاد الأدلة والبراهين، وهو ما يسمح به الوحي ذاته، بخلاف مراحل الوحي السابقة التي لم يستطع العقل تنظيرها، وكان السبيل إليها العاطفة والقلب والانفعالات، أو الإرادة المطلقة التي لا تبرير لها.
47
وقد كان الاعتماد على العقل من طبيعة الوحي وبواعثه، وليس من خارجه من حضارة أخرى أو من ضرورة الحوار معها. ولم تكن الباطنية فرقة كلامية بقدر ما كانت فرقة فلسفية أو صوفية أو فقهية كرد فعل على مسألة العقل والنقل، وإيجاد بعد ثالث هو القلب أو الباطن؛ فهي تشارك العقل ضد النقل في التأويل، ثم تفترق عن العقل في وسيلة التأويل.
48
ونظرا لأهمية القضاء على وحدة الأمة جعلت الحركات الإصلاحية موضوع الفرق في مقدمة الرسالة، ليس في مؤخرتها كما هو الحال في المصنفات التقليدية عندما ضمت موضوع الفرق كملحق للإمامة. (2-2) التاريخ الموجه
ويصاغ مسار التاريخ من الوحدة إلى التفرق لا على نحو شعري، صورة العصيان، بل على نحو تاريخي خالص بناء على توجيه خاص من حديث الفرقة الناجية الذي يحكم من قبل بأن النجاة في الوحدة، والهلاك في التفرق، ويحدد عدد التشعب والتفرق، ويحصيها في اثنين وسبعين. وبالرغم من محاولة المؤرخ ضبط كل فرقة وحصرها، وتبني نظرة موضوعية محايدة، إلا أن حديث الفرقة الناجية يظل موجها له. ويختلف مؤرخ عن آخر في نسبة التاريخ الموضوعي إلى التاريخ الموجه؛ فقد يعرض المؤلف للفرق أولا عرضا موضوعيا، ثم يعود فينقدها فاصلا بين العرض والنقد، وهو يقوم في ذلك على التاريخ الموجه.
49
وقد يعرض المؤلف عرضا موضوعيا للفرق داخل الحضارة وخارجها دون نقد، ولكنه يقوم أيضا على التاريخ الموجه دون استعماله صراحة في العد والإحصاء.
50
وقد يعرض المؤلف عرضا موضوعيا للفرق داخل الحضارة مبينا الانتقال من الوحدة إلى التفرق.
51
وقد يعرض المؤلف منذ البداية للفرق بالتاريخ الموجه.
52
وفي كل الحالات ينتقل الشعور من التاريخ الفكري النمطي إلى التاريخ الموجه، وترفض الفرق كلها إلا واحدة.
ويستعمل التاريخ الموجه إما في تاريخ الفرق أو في نسق العقائد. ففي تاريخ الفرق يقوم التاريخ الموجه بتتبع نشأة الفرق طبقا لتوجيه فكري مسبق من النص الديني، فلا يكون البحث التاريخي بحثا خالصا، بل تحقيقا لفكرة مسبقة، والبحث عنها في الوقائع الدالة عليها، بل وتنظيم الوقائع طبقا لها، واختيار ما دل عليها منها.
53
وفي نسق العقائد القائم على التاريخ الموجه يكتفى بذكر العقائد النمطية، لا تلك التي خرجت عليها.
54
ومن مصنفات العقائد ما يضع التاريخ الموجه في البداية وليس في النهاية، فتصير العقائد موجهة وليس التاريخ. وهناك مقدمات أخرى لمصنفات العقائد الغرض منها بيان اعتقاد الفرقة، وهي في الغالب الفرقة الناجية، وتفنيد آراء الفرق الأخرى. ومعظمها مقدمات لمصنفات عقائدية خالصة مهمة العقل فيها تبريرها، وأصحابها من الفقهاء الأشاعرة، وهي المؤلفات التي تعتبر نواة المصنفات العقائدية الكاملة التي تعرض لبناء العلم ذاته، والغالب عليها إثبات آراء أهل السنة والجماعة وتفنيد آراء المعتزلة.
55
يستعمل التاريخ الموجه إذن في المؤلفات العقائدية كمقدمة لها لتوجيه العقائد دون ذكر للفرق.
56
وهناك بعض المؤلفات العقائدية لا يهمها إلا أن تعلم اعتقادات الفرقة التي ينتسب إليها المؤلف، وهي أيضا في الغالب الفرقة الناجية دون أية محاولة للإقناع النظري بها، وهي التي أصبحت فيما بعد موضوع الشروح على المتون.
57
وبعض المؤلفات الكلامية الأخرى موضوعة للعبرة والاستبصار والحفاظ على العقيدة، مهمتها تربوية خالصة للمحافظة على العقائد، وإقامتها على أسس راسخة، والتنبيه إلى مواطن الخطر في الديانات والنحل الأخرى؛ فهي أيضا دفاع تربوي ديني لترسيخ الإيمان، أو دفاع تأسيسي ليس المقصود به الرد على الخصوم، بل تأسيس العقيدة، وإيجاد أصول عقلية في الإيمان حتى يتحول إلى تصديق، أو حتى يطمئن القلب كما حدث ذلك لإبراهيم. ويكون ذلك في معرض تأسيس العقيدة الإسلامية ضمن تاريخ الأديان.