تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

وبهذا المعنى، الإسلام كاستسلام، يشار إلى الفرقة الناجية، فرقة السلطان.

31 (2) من الوحدة إلى التفرق

تصف الفرقة الناجية تاريخ الفكر البشري، بل وتاريخ الإنسانية ذاتها، كمسار من الوحدة إلى التفرق، من الطاعة إلى العصيان، من الخير إلى الشر؛ وبالتالي تتم إدانة التاريخ والزمان والتطور، وإدانة كل جهد بشري وقضاء على التعددية. ولا سبيل إلى صلاح العالم ونجاة البشرية إلا بالعودة من جديد من التفرق إلى الوحدة، من العصيان إلى الطاعة، ومن الشر إلى الخير. ومرة يتم هذا الوصف بصورة فنية شعرية رمزية عن طريق رفض الشيطان السجود لآدم قياسا للنار على الطين، وهو قياس كمي خاطئ يغفل الكيف؛ ومرة أخرى، وهو الهدف من هذا الوصف، عن طريق وصف مسار علم أصول الدين على أنه انتقال من النقل إلى العقل؛ وبالتالي يضل كما ضل الشيطان من قبل. الأمة إذن لها بدايتان؛ الأولى قياس الشيطان، والثاني إعمال العقل! وكلاهما شر؛ الأول أدى إلى الطرد من الجنة، والثاني أدى إلى الفرق الضالة! (2-1) التاريخ الرمزي

يبدأ التاريخ، عند الفرقة الناجية، بصورة فنية أقرب إلى الشعر منها إلى العلم، وأدنى إلى الخيال منها إلى الواقع، توحي بأن التفرق والتشتت حدثا في البداية لأول مرة منذ الخليقة قبل أن يقع للمرة الثانية في التاريخ الإنساني بعد ظهور الوحي. فالتاريخ له بدايتان؛ الأولى بداية الخليقة، والثانية اكتمال الوحي ووحدة الفكر. البداية الأولى افتراضية خالصة، تعتمد على التاريخ الشعري أو على التفسير الفني للنصوص الدينية للحصول على دلالة مشابهة للبداية الثانية، وكأن التاريخ يعود كما بدأ. ولا يقتصر الأمر على الدلالة الشعرية، بل يفسر النص الفني على أنه يحتوي على وقائع حدثت بالفعل. حدث التشتت الأول في البداية بإعمال الرأي والقياس، وذلك بمقابلة الرأي بالنص، أو مقابلة الهوى بالأمر، إعمالا للعقل وإثباتا للحرية.

32

والتاريخ الشعري القائم على الصور الفنية أفضل استعمالا من التاريخ الأسطوري، إلا إذا فهمت الأسطورة كصورة فنية. فلفظ الأسطورة يعني في التراث وفي أصل الوحي الخرافة بالتعارض مع الواقع، في حين أن لفظ الشعر والتخييل ألفاظ تراثية، وكذلك الحال مع لفظ الصورة الشعرية وانتمائها إلى الثقافة الأدبية المعاصرة.

33

وتعتمد هذه البداية الشعرية مع الكتب المقدسة الأخرى القائمة على عقائد السقوط والطرد والحرمان كوقائع وحوادث تاريخية، وليس فقط كصور شعرية. ونظرا لاعتماد الفرقة الناجية على التفسير بالمأثور، فقد دخلت كثير من الإسرائيليات لتأصيل عقائدها، وهي الصورة الشعرية نفسها الموجودة في حضارات أخرى وتفسر لا على أنها صراع العقل مع النقل، وصراع الموضوعية مع الذاتية، وصراع الحرية مع القدرية، بل على أنها تنقل أخبارا عن وقائع العصيان والحرمان والطرد والخطيئة والسقوط.

34

وتضع الصورة الشعرية شبهات سبعة

35

تفيد بأن الموقف الإنساني شبهة، وأن السؤال عنها يوقع لا محالة في تناقض، وهي الشبهات نفسها التي يقوم عليها علم الكلام. تمثل الفرق الهالكة، وفي مقدمتها المعارضة العلنية من الداخل، اختيار الشيطان نظرا لاعتمادها على العقل. وتمثل الفرقة الناجية، فرقة السلطان، اختيار الله نظرا لاعتمادها على النقل. الشبهة الأولى تشير إلى تعارض العلم المطلق مع الخلق باعتباره مصيرا وتاريخا محددا في العلم، ومع ذلك مرهون بحرية الإرادة الإنسانية. وإذا كانت الفرقة الناجية تأخذ صف العلم الإلهي وتضحي بالخلق الإنساني، فإن الفرق الهالكة خاصة المعارضة العلنية من الداخل تأخذ جانب الحرية الإنسانية وتضحي بالعلم المسبق. فإذا كان القياس هو المزايدة في الإيمان أمام العامة وفي أعين السلطان، كان الاختيار لعقائد الفرقة الناجية! والحقيقة أن العلم المطلق لا يمنع من تقرير مصير الإنسان لذاته؛ لأن العلم المطلق علم حقيقي، أي أنه مطابق للواقع، لا بمعنى أنه يفعل مباشرة، بل بمعنى أنه يفعل من خلال الفعل الإنساني. وهذا لا يعني أن العلم المطلق خامل غير مؤثر، بل بمعنى أن الإنسانية لا تتحقق إلا بالفعل في التاريخ. العلم مسار التاريخ، أو فكر العمل، أو نظرية السلوك، إذا ما بعد العلم عن التشخيص الذاتي كصفة لذات مشخص. والشبهة الثانية تشير إلى التعارض بين خلق الإنسان على إرادة الله وبين تكليفه على إرادة الإنسان الخاصة. فإذا أخذت الفرقة الناجية الاختيار الأول، فإن الهالكة تأخذ الاختيار الثاني. أليس فضل الله على الإنسان عظيما أمام السلطان وفي أعين العامة؟ والحقيقة أن التكليف إثبات لغاية الإنسان ودعوته، وأن الحياة الإنسانية أساسا هي تحقيق الرسالة. ولا يتم هذا التحقيق وفقا لإرادة مسبقة، فالإرادة المطلقة هي إرادة التاريخ وقوانينه ومساره التي تتحقق بالفعل الإنساني الفردي والجماعي على السواء؛ وبالتالي تبتعد الإرادة المطلقة عن التشخيص الذاتي الخارجي، وتعود إلى أصلها كقانون عام لمسار التاريخ، أو كنمط للتحقيق والتكليف ليس مضادا للحرية، وليس مانعا لها، بل هو موجه لها يعطيها أساسها النظري ومسارها المختار. والشبهة الثالثة عن أمر الشيطان بالسجود لآدم وعصيان الشيطان لله، بطبيعة الحال تختار فيها فرقة السلطان الطاعة لله وتنفيذ الأوامر، بينما تختار الفرق الهالكة العصيان ورفض السجود لأحد إلا لله، حتى ولو كان ذلك عصيانا لأوامر الله. واختيار الفرقة الناجية يرضاه السلطان، ويتملق أذواق العامة إيمانهم الاجتماعي بالله. ومن ذا الذي يرفض أوامر الله وأوامر السلطان؟ والحقيقة أن الإنسان هو القيمة الأولى في الحياة على رأس سلم القيم، وله يخضع كل شيء في الطبيعة، وكل فعل في التاريخ يقاس بمدى تحقيقه لهذه القيمة؛ فرفض السجود لآدم هو رفض للاعتراف بالإنسان كقيمة مطلقة. وإن السجود للإنسان وليس السجود لله لهو تنفيذ للأمر الإلهي وتحقيق لإرادته. والشبهة الرابعة تحتوي على الحكم بإدانة كل من لا يعترف بالإنسان كقيمة أولى، حتى ولو كان السبب في عدم الاعتراف التشدق بالإيمان والمزايدة فيه بدعوى عدم السجود إلا لله. الإنسان قيمة في أعلى سلم القيم. وقد تتنازل قيم أخرى أعلى منه حتى الفكر المطلق ليعلن أن الإنسان قيمة أولى. وهو بهذا الإعلان والاعتراف يثبت إطلاقيته، فلا إطلاقية تثبت إلا بإثبات الإنسان كقيمة أولى. والشبهة الخامسة أنه بالرغم من لعن الشيطان وإصدار حكم عليه بالإدانة، فقد دخل الجنة ووسوس للإنسان. ولا يعني ذلك أن كل ما يأتي للإنسان من أفكار فإنها من وسوسة الشيطان كما تقول الفرقة الناجية وكما يريد السلطان، بل تعني أن الاعتراف بالإنسان كقيمة أولى ليس مجرد اعتراف نظري، بل هو جهد عملي يتحقق بالفعل، وكأن الاعتراف النظري يحتاج إلى اعتراف آخر عملي بدفاع الإنسان عن وضعه كقيمة أولى، والدخول في صراع مع كل القوى التي تنكر عليه هذا الحق. فالإنسان ليس إمكانية محدودة ذات اتجاه واحد، بل هو إمكانية تحقق سلبا أم إيجابا. هو إمكانية تحقق في مواقف تتخللها عقبات؛ لأن وجود العقبة ضرورة لتحقق الإمكانية، وحشد الطاقات النظرية والعملية. وقد تكون الموانع ذاتية مثل الأهواء والانفعالات، وقد تكون موضوعية مثل الأوضاع الاجتماعية والسياسية. فالمانع ضرورة لتخطيته، والعقبة شرط لتذليلها. والشبهة السادسة عن وسوسة الشيطان ليس فقط لآدم، بل لأولاده، تتملق أذواق العامة عن براءة الأطفال وعدم مسئوليتهم عن غوايات الآباء. والحقيقة أن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان؛ بناؤه واحد، وشعوره واحد، وموقفه من العالم واحد، لا فرق بين أب وابن، أو بين أسلاف وأحفاد. كل إنسان مسئول عن نفسه من حيث هو إنسان، وليس من حيث هو ابن لأب. والشبهة السابعة والأخيرة عن السبب في الاستمهال والنظرة، فإنها تقوم أيضا على المزايدة في الإيمان، وافتراض تدخل الله لهزيمة الشيطان دفاعا عن الإنسان، وحرصا له من الوقوع في الغواية، وإنكار دور الإنسان والزمان وحركة التاريخ. والحقيقة أن الزمان قد أعطي للإنسان ليفعل فيه، كما أعطي له التاريخ ميدانا للعمل؛ فلا نهاية بلا بداية، ولا خاتمة بلا مشروع. الإنسان حياته، وحياته تاريخه، وتاريخه سلوكه، وسلوكه تحقيق لغاية، وغايته رسالته، ورسالته مصيره.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٤٤