25
والملة هي ملة إبراهيم، وهي الحنيفية السمحة، ويضادها الخروج على طريق العقل والطبيعة. والأمة جماعة مثالية، حققت وحدة الفكر واستقلال الشعور وتدرك نظام الطبيعة، الأمة فكر نمطي، والفكر جماعة مثالية تمنع من التشتت الفكري والحضاري، وتحرص على الوحدة المثالية بين الفكر والجماعة، بين الوحي والتاريخ. وتتوالى الملل حسب قانون الجمع بين الأضداد وجدل التاريخ، والانتقال من الموضوع إلى نقيض الموضوع إلى مركب الموضوع. عرف آدم الأسماء كلها، وعلم نوح معانيها، ثم تحقق إبراهيم من كليهما. الأمة المثالية إذن هي التي تجمع بين الأسماء المعاني والواقع، بين الألفاظ والدلالات والأشياء دون تبعثر للأسماء، وتحولها إلى شقشقات لفظية وضمور للمعاني، وتحولها إلى ثوابت، وغياب للوقائع والأشياء.
26
وإذا تحول الدين إلى ملة، فإن الملة تتحول إلى منهج للجماعة. وباتحاد الفكر بالجماعة يظهر التشريع، وهو تنظيم الفكر للجماعة، وتوجيهه لسلوكها، وتخطيطه لحياتها. وقد تطورت الشرائع كما تطور الفكر وتطورت الجماعة، واكتملت بظهور الجماعة المثالية. فالتشريعات تنبع من الفكر وتقوم عليه، وتعبر عن واقع دفاعا عن مصالح الجماعة.
27
فإذا تم الاتفاق على المنهاج نشأت الجماعة الفكرية المذهبية. الجماعة هي ممثلة الفكر في التاريخ، وتحوله إلى شريعة ونظم. ولما كانت الشرعة منزلة ففي تطور الوحي في التاريخ جاء التنزيل أولا، ثم التأويل ثانيا، ثم الجمع بين التنزيل والتأويل ثالثا. وهو منهج الأمة المثالية التي جمعت بين الفكر والجماعة . التنزيل بلا تأويل صورية وفراغ، والتأويل بلا تنزيل مضمون عاطفي بلا صورة وروح طاهرة بلا بدن، والجمع بين التنزيل والتأويل هو إيجاد الوحدة بين الصورة والمضمون، بين الروح والبدن، بين المثال والواقع. ويكون ذلك في التاريخ جمعا بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر. التنزيل بلا تأويل جمود، والتأويل بلا تنزيل هوى.
28
والأديان كلها مراحل مختلفة لدين واحد اكتمل في آخر مرحلة. كل مرحلة تثبت المرحلة الأولى وتكملها. فإذا اكتمل الوحي انتهت النبوة، واستقل العقل، وتحررت الإرادة، واكتملت الفطرة، وثبتت الحقيقة، ووضح المثال. أصبح الوحي تاريخا، والفكر واقعا؛ فالواقع دليل الفكر، والفكر دليل الحق. ووقوع الوحي لا يستلزم بالضرورة البحث عن مصدر مشخص للوحي ولا حتى شخص للنبي؛ فالوحي واقع في التاريخ ويتطور معه أفقيا، وليس علاقة رأسية بين شخصين. والبرهان على صدقه متضمن فيه وليس خارجا عنه، طبيعة الفكر نفسها المطابقة للواقع، للفطرة والطبيعة، والشامل لكل التجارب البشرية النمطية. موضوعية الوحي وشموله مقياسان لصدقه. الدليل ملازم له، لا هو سابق له، ولا لاحق عليه. السابق إرهاص على ضرورة ظهور الفكر، واللاحق تحقيق لمسار الفكر وإثبات لواقعيته. لا تستلزم النبوة في آخر مراحلها إثبات صدقها بآية خارجة عنها. آياتها الوحيدة من داخلها كفكر مطابق للواقع، وهذا الواقع هو التجربة الإنسانية الشاملة وماهياتها وقوانين التاريخ. فالتوحيد هو جوهر الدين، وما أتى به الأنبياء منذ آدم حتى محمد. وبمجرد تحقيق غاية الوحي، استقلال الوعي الإنساني، عقلا وإرادة، يقف تطوره وتنتهي النبوة، ويتوقف تطور التاريخ في الأصول، ويبقى تطوره في الفروع، والتي يمكن للاجتهاد أن يجد لها تشريعاتها ويستنبط لها أحكامها. ويكون التاريخ حينئذ دون مراحل، وكأن التاريخ يخضع نفسه للخلود، ويمحي عنه طابع الزمان.
29
وإذا كانت الفرق إسلامية على وجه الخصوص، فماذا يعني الإسلام؟ وهنا تأتي الفكرة الموجهة لتحدد الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان؛ الأول بداية، والثاني وسط، والثالث كمال. الأول عمل باللسان (قول)، والثاني عمل بالقلب (تصديق)، والثالث عمل بالجوارح (فعل). الأول العبادات، والثاني العقائد، والثالث المعاملات. ولكن أليست العبادة أيضا بالقلب وبالجوارح، فتشمل العقائد والمعاملات؟ وفي آخر مرحلة من مراحل الوحي يكون الوحي إمكانية تحقيق من خلال طاقة الإنسان. ولما كانت الطاقة قولا ووجدانا وعملا كان القول هو الإعلان عنه، والوجدان تمثله، والفعل تحقيقه. ليس الإسلام إذن هو مجرد الخضوع والانقياد بالمعنى الشائع دون تمييز بين الله والسلطان، بل هو تعبير عن الطاقة الإنسانية، بالقول باللسان والعمل بالجوارح، بالكلمة والفعل. الإسلام إذن أقرب إلى الشهادة باللسان وباليد. فإذا كان الخارج قيدا وقهرا ورضوخا للأمر الواقع، فإن الإسلام يكون ثورة وتحررا وغضبا ورفضا وتمردا. وتبدأ العقائد المتأخرة من الإيمان، وتعرفه بأنه الاستسلام والانقياد، وتجعل مضمونه إما الغيبيات أو العبادات أو الحدود دون فكر أو فعل، ودون حق أو طلب. ويفرغ الإيمان من أي مضمون اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي يربط المؤمن فردا وجماعة بمصالحه وحياته، ويجعله قادرا على الدفاع عن حقوقه، وليس فقط مطالبته بتحقيق واجباته.