16
والطريقة الثانية تذكر الفرق غير الإسلامية كإحدى الفرق الإسلامية. وهنا يصبح علم أصول الدين هو الأصل، وتاريخ الأديان هو الفرع.
17
ولا يخلو مصنف كلامي من إشارة إلى الديانات الأخرى وفرقها، حتى في المصنفات المتأخرة التي بوبت حسب موضوعات العلم، والتي تجاوزت تاريخ الفرق المحض؛ ومن ثم أصبح موضوع تاريخ الأديان أو تطور الوحي من موضوعات علم الكلام يدخل في التوحيد.
18
وأحيانا تدخل فرق غير كلامية ضمن الفرق الكلامية. وهنا يبدو علم الكلام وكأنه تاريخ الفكر الديني داخل الحضارة، وليس فقط تاريخا للفرق الكلامية التي تكون مادة علم الكلام.
19
وقد يصنف علماء الكلام في مقالات الديانات الأخرى دون ذكر للفرق الإسلامية. وفي هذه الحالة يكون عالم الكلام عالم تاريخ أديان خالص لحضارات وديانات أخرى.
20
وقد يتعدى تصنيف الفرق الخارجة على الإسلام إلى إخراج فرق إسلامية نشأت داخل الحضارة الإسلامية، مثل بعض النظريات الفلسفية في قدم العالم، وقدم الزمان والمكان، وأزلية النفس ، وتدبير الفلك. فعلم الكلام هنا يشمل كل الفرق الخارجة عن الإسلام، سواء كانت من حضارة أخرى أو من داخل الحضارة خارج علم الكلام في الفلسفة أو التصوف. فهو تاريخ للفكر الديني بوجه عام، وليس تاريخا لعلم الكلام بوجه خاص من ملل وأهواء ونحل. وفي المقابل قد تدخل فرق غير إسلامية تمثل حضارات وافدة ضمن الفرق الإسلامية؛ لأنها أصبحت ممثلة داخل الحضارة الإسلامية ولم تعد وافدة عليها، إما لأن لها ممثلين، أو لأن الاتجاه ظهر تلقائيا في الحضارة الإسلامية بمساعدة الاتجاه المماثل في الحضارات الوافدة أو بدون مساعدتها. ومما يساعد على إدخال هذه الفرق ضمن الفرق الكلامية الرغبة في إكمال عدد الفرق في التاريخ الموجه.
21
وقد يكون التاريخ المذهبي تاريخا داخليا محضا للحضارة دون ذكر أية حضارات مجاورة دخيلة. وفي هذه الحالة يكون التاريخ موجها بحديث الفرقة الناجية.
22 (1-4) تحديد المصطلحات
إذا كان التفرق عقائديا مذهبيا، فالأولى تحديد مصطلحات الدين، والملة، والحنيفية، والشرعة، والمنهاج، والسنة، والجماعة، والإسلام.
23
فالدين هو الامتثال، والامتثال هو التعبير عن الطبيعة بالفكر. ولا يعني ذلك الطاعة والانقياد، فذلك ما تعاني منه الأمة حاليا في علاقتها بالسلطان، بل هو رفض كل ما يعارض الطبيعة والحرية والعقل، هذا الرفض الناشئ من الامتثال للفكر وإدراك الهوة بين الطبيعة والمثال. ليس الدين هو الجزاء؛ لأن فعل الخير، العمل الصالح، مستقل عن الجزاء والعقاب، ولكن في طبيعة الفعل جزاؤه، وجزاؤه أثره وفاعليته؛ فعلى الخير يعطي خيرا، ويحدث في هذا العالم من حياة الفاعل، أو يكون كامنا فيظهر في الأجيال التالية ويظل موجها للحضارة. وإذا كان الدين يعني الحساب، فإن الحساب على الفعل يكون ذاتيا، بمراجعة داخلية. أما الحساب الخارجي فعادة ما يكون مصدرا للخوف والتخفي؛ وبالتالي مصدرا للإرهاب والنفاق، لا فرق في ذلك بين حساب الله وحساب السلطان. والحساب ليس بالضرورة حساب الآخر للذات، أي حساب الدولة للمواطنين، بل حساب الذات للآخر، حساب المواطنين للدولة من خلال الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة. وإذا كان الدين يعني التعبد، فإن التعبد ليس الإتيان بحركات رمزية تكشف عن الصلة بين الإنسان والله، بل القيام بأفعال مباشرة في العالم تؤثر في الناس وتحدد مسار العلاقات الاجتماعية. وإذا كان الدين في النهاية وضعا يسبق العقول باختيارها إلى ما هو خير لهم بالذات، فإن هذا الوضع يتفق مع الطبيعة البشرية الحرة العاقلة، ويؤكدها، ويساعدها على الازدهار والكمال.
24
ويتحول الدين إلى ملة لأن الامتثال جماعي. الدين هو الذي يعطي الهوية للجماعة، ويحولها إلى جماعة فكرية. لا يوجد فكر دون جماعة، ولا يوجد دين بلا أمة، ولا يوجد مذهب فكري دون شعب؛ لأنه لا يوجد وحي بلا تاريخ. وصف الدين هو وصف للأمة، وتحليل الدين هو تحليل لحال الأمة.