والحقيقة أن البشر يختلفون فيما بينهم طبقا للعقائد والمذاهب؛ أي طبقا للديانات والأهواء. الفكر هو سبب التفرد والتنوع والتخصص والتميز. الشعور إذن ليس هو الشعور القومي، بل هو الشعور الفكري الذي يجمع العقائد والمذاهب، الأديان والفلسفات. تحديد ماهية الشعور من فكرة تحديد ماهوي لا مادي، مثالي لا موقفي؛ فالفكر ماهية الشعور. البشر إذن ملل ونحل، أهل ديانات وأهل أهواء.
10
ولكل قسم طبيعة؛ الأول مستفيد مطيع، وقد يكون مقلدا فتضيع الاستفادة؛ والثاني مستبد برأيه مبتدع، وقد يكون مستنبطا برأيه فيضيع الاستبداد. الأول يؤمن بالنبوات والشرائع، والثاني لا يؤمن إلا بالعقل وبأحكامه.
11
وهذا التقسيم قائم في الحقيقة على فكرة موجهة من النصوص الدينية، الاتباع أم الإبداع، التقليد أم التجديد. فالشعور إما آخذ أو معط، قابل أو رافض، مستفيد أو مفيد، متعلم أو معلم. فالنبي والفيلسوف صنوان، والنبوة والفلسفة شقيقتان رضيعتان، والعقل جامع بين الاثنين. وكما لا تنتهي الفلسفة بالضرورة إلى إنكار، كذلك لا ينتهي الدين بالضرورة إلى طاعة. ويمكن للفلسفة أن تكون تقليدا، ويمكن للدين أن يكون ثورة. لا يتعلق الأمر بالدين والفلسفة كميدانين، ولكن يتعلق بمنهجين وموقعين يظهران في الدين والفلسفة والعلم والفن والحياة.
ولما كان لكل دين كتاب، وهو مقياس من داخل الحضارة لأنها قامت على كتاب، فقد تنقسم الديانات إلى أربع فرق؛ الأولى ديانات كتاب منزل محقق، مثل اليهودية والنصرانية والإسلام؛ لذلك دخل النقد التاريخي للكتب المقدسة جزءا من علم أصول الدين للتحقق من الصحة التاريخية للكتاب.
12
والثانية ديانات شبهة كتاب، مثل المجوسية والمانوية؛ مما يدل على اعتبار خاص لهذين الدينين، واعتبار المجوس مثال أهل الكتاب، وأن الذي يجمع بين الوحي المنزل ونبوة أخرى هو الكتاب المقدس في ملة؛ فالكتب إذن كثيرة. والثالثة ديانات حدود وأحكام دون كتاب، مثل الصابئين الأوائل. وتنتقل بطريق شفاهي، ويكون التراث الشفاهي مصدر سلطة مثل التراث المدون. والرابعة ديانات ليس لها كتاب ولا شبهة كتاب ولا حدود وأحكام، مثل المذاهب الفلسفية والوثنية وعبادة الكواكب والبرهمانية. وهنا تدخل الفلسفة كقسم في الدين، ولا يعترف لها بكتاب مقدس؛ لأن الفلسفة لا تقديس فيها. والوثنية وعبادة الكواكب دين الطبيعة، والبرهمانية دين العقل، وكلاهما لا يحتاجان إلى كتاب.
13
ويؤخذ كل دين من مصادره الأولى، أي من الكتاب المقدس عند الملة، فهو أوثق المصادر خاصة إذا كان صحيحا تاريخيا، وأبعدها عن التأويلات والتفريعات والإضافات اللاحقة.
14
ولما كان التفرق العقائدي المنهجي عاما لكل الشعوب، وكان الإسلام أحد الديانات، وله مذاهب وله كتاب، قد تبدأ الفرق غير الإسلامية أولا، ثم تأتي الفرق الإسلامية بعدها تبعا للتطور الزماني لرؤية تطور الوحي واكتمال الوعي البشري. وقد تبدأ الفرق الإسلامية أولا ثم تأتي الفرق غير الإسلامية على أساس أن البناء يظهر التطور، والنهاية تثير البداية. قد يبدأ بالديانات العامة أولا، ثم يتم إحصاء الفرق الإسلامية ثانيا. وقد يبدأ عرض الفرق الإسلامية أولا، ثم يأتي إحصاء الديانات الأخرى ثانيا. الأول ترتيب زماني تاريخي، والثاني ترتيب موضوعي مذهبي. بالطريقة الأولى تذكر الفرق الكلامية في معرض تاريخ الأديان العام، وكأنها فرق أهل الإسلام قبل أن يبدأ عالم الكلام في عرض مادته حسب الموضوعات؛ فالأديان هي الملل، والفرق الإسلامية هي النحل. الملل هي الديانات المختلفة كاليهودية والمسيحية والإسلام، والأهواء كالمذاهب الفلسفية، والنحل كالديانات التاريخية الخالصة.
15
وعندما توضع المادة الكلامية في إطار تاريخ الأديان المقارن، وتظهر الفرق في إطار تاريخ الأديان العام، يقوم التصنيف على نظرية في الحقيقة، وهي أن الحقيقة موجودة يمكن معرفتها، وهي حقيقة واحدة كاملة في مقابل حقائق متعددة ناقصة. ويقوم الإيمان بالوحي من حيث المبدأ على حقيقة واحدة موجودة وكاملة يمكن معرفتها والوصول إليها. وتعادل نظرية الحقيقة هذه نظرية العلم في مصنفات العقائد، فيشار إلى الموقف السوفسطائي، سواء الشك المطلق أو الشك النسبي، وتثبت الحقائق والعلوم.