تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

والفرق الفقهية التي تدور خلافاتها حول المسائل العملية لا تدخل تحت أية فكرة موجهة، سواء تلك التي تشير إيجابا أم سلبا إلى الفرق أو إلى أحدها بالنجاة أو الهلاك. ففي المسائل العملية كل الحلول صواب ما دام يبذل فيها الجهد، أو يكون أحدها صوابا والآخر خطأ دون تعيين. وإذا عين الخطأ فلا يعني ذلك الضلال، ويكون الصواب هو النجاة، بل يعني الاجتهاد في كلتا الحالتين، ويظل الأمر ظنيا نظريا وإن كان يقينيا عمليا. وقد يتغير ذلك من فرد إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان. فالمسائل العملية قائمة على تعدد الحقائق على المستوى النظري. ولا فرق بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه في الجمع بين الفرق أو المدارس المختلفة. صحيح أن التفرق في أصول الدين أخطر منه في أصول الفقه؛ لأنه تفرق على الأصول النظرية، إلا أن التفرق في أصول الفقه يدل على تفرد الواقع وعلى تكيف فهم الوحي حسب الزمان والمكان. لا يوجد صواب نظري واحد في علم أصول الفقه، فالكل مصيب.

7

وقد يرجع التفرق على الأصول النظرية أيضا إلى مواقف عملية، الموقع من السلطة، أصول السلطان أم أصول المعارضة، ولكنها في كل الأحوال تظل أصولا نظرية. (1) أصول التفرق والوحدة

هل التفرقة والوحدة طبيعيان أم أن لهما أصولا يردان إليها؟ وهل هذه الأصول جغرافية طبيعية أم قومية حضارية أم عقائدية مذهبية؟ وماذا تعني ألفاظ الدين والملة والحنيفية والشرعة والمنهاج والسنة والجماعة؟ (1-1) هل التفرق جغرافي طبيعي؟

قد ينقسم الناس جغرافيا حسب الأقاليم، وتتحدد طبائعهم وأمزجتهم بل وأفكارهم حسب طبيعة كل إقليم. وفي الجغرافيا القديمة لما كانت الأقاليم سبعة، فالأمم سبعة. وقد ينقسم الناس حسب الاتجاهات الأربعة، ويحدد كل اتجاه سلوك الناس وطبائعهم وآراءهم، بل ودياناتهم ونحلهم.

8

والحقيقة أن هذه القسمة جغرافية خالصة، لا تبدأ من الوحي ومن تشعبه وتحوله إلى فرق بتدخل الموقف الإنساني وتكوينه الاجتماعي وصراعاته السياسية. ليس الشعور الإنساني شعورا طبيعيا بمعنى أنه محدد بالمكان؛ فمع أن الشعور محمول في المكان إلا أنه مستقل عنه، ومع أن الشعور موجود في البدن، والبدن يتحرك في العالم، والعالم يتفاوت في المناخ نظرا لبعد أجزائه عن الشمس أو قربها منها، إلا أن الشعور مستقل، وأن المناخ وإن حدد أسلوب الحياة المادي إلا أنه لا يحدد ماهية الشعور المستقلة. (1-2) هل التفرق قومي حضاري؟

فإذا صعدنا درجة أعلى تحول التقسيم من المستوى الجغرافي الطبيعي إلى المستوى القومي الحضاري؛ فلكل قوم خصائص تظهر في حضارته طبقا للجنس والمزاج والتكوين النفسي. فإذا كانت كبار الأمم أربعة، العرب والعجم والروم والهند، فإنها تنقسم إلى طبيعتين رئيسيتين؛ الأولى تقرير خواص الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية، كما هو الحال عند العرب والهند. وهي الطبيعة الأقرب إلى المثال الذي يظهر في الماهيات في الطبيعة أم في الروح، في العالم أم في الله، في الفلسفة أو الدين. والثانية تقرير طبائع الأشياء، والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية، كما هو الحال عند العجم والروم. وهي الطبيعة الأقرب إلى الواقع، والتي يظهر فيها العلم الكمي كما هو الحال في العلم الطبيعي. وهو الاختلاف بين الشرق الفنان، والغرب العالم.

9

وعلى فرض صحة هذا التقسيم، فإن هذا الحصر غير جامع لكل الشعوب؛ فأين شعوب الصين واليابان وباقي أمم آسيا؟ وأين شعوب أفريقيا إن كانت الأمم في أمريكا لاتينية ما زالت مجهولة في العالم القديم؟ وأين شعوب مصر والشام وما بين النهرين والعبرانيون القدماء؟ وهل يشتمل الروم اليونان وباقي شعوب الغرب؟ وهل يمكن تصنيف شعوب الأرض كلها لهاتين الطبيعتين، أم أن هناك طبائع أخرى؟ ألا توجد شعوب كاملة تجمع بين الطبيعتين؟ وهل القسمة إلى الطبيعتين حكم واقع أم حكم قيمة؟ هل يفضل العرب والهند العجم والروم؟ ألا يوجد تمايز بين العرب والهند أو بين العجم والروم على الرغم من اشتراك كل منها في نفس الطبيعة والمزاج؟ وكيف يفسر انتشار الإسلام بين العجم وهم من طبيعة مخالفة للعرب، أكثر من انتشاره بين الروم وهم من طبيعة مشابهة للعجم؟ ولماذا لم ينتشر الإسلام في أرجاء الهند قاطبة وهي تشارك العرب في التكوين والمزاج. هل يعني ذلك أن رسالة الإسلام تتجه شرقا؟ والحقيقة أن الشعور الإنساني غير مرتبط بالجنس أو اللسان أو التاريخ أو الحضارة المشتركة. وإن كان نسبيا مرتبطا بلغته واستعاراته وتشبيهاته ومقولاته ونظرته للعالم، إلا أنه يستطيع أن يفارقها ويصبح شعورا فكريا عاما يتجاوز القوميات ويتعالى على الأجناس. هذا فضلا عما في الأحكام على الحضارات من مخاطر وعدم دقة وتميز. وخصائص الشعوب تنشأ من سلوك حضاري في لحظة معينة من تطورها في التاريخ دون أن تكون أبدية تمس جوهر الشعور أو تحكم على ماهيته. ولا يقتصر قوم أو قومان على طبيعة واحدة، بل توجد الطبيعتان معا عند كل قوم، وينشأ التياران المثالي والواقعي، الروحي والمادي، العقلي والحسي، الصوفي والعلمي. فهذان بعدان للشعور الإنساني والشعور الحضاري على السواء، قد يغلب أحدهما على الآخر في فترة زمنية معينة نتيجة لتطوره في التاريخ، ولكن لا يوجد حكم عام شامل على الحضارة بأنها كذلك، أحادية الطرف إلى الأبد. وقد يتداخل البعدان بطريقة غير سوية، فيتحول العقلي إلى عاطفي وانفعالي وهوائي وذاتي وغيبي وحسي وكمي وجسمي، يعبر عن ضنك وضيق واختناق ولهث؛ وبالتالي تفسد الطبيعة، وتكون في حاجة إلى وحي يعيدها إلى ثورتها ويحقق كمالها. (1-3) التفرق العقائدي المذهبي

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٤٠