تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

93

وفي موضوع الإمامة يشترط البعض أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه، ويجيز البعض الآخر وجود إمامين في وقت واحد. وفي العمليات لا يجيز البعض تنفيذ حكم شرعي اجتهادي في نازلة بعد الانتقال إلى نازلة أخرى، بينما يحرم البعض الآخر ذبائح أهل الكتاب، ويخطئ فريق ثالث حروب الردة، ويرى الصواب في الرجوع.

94

وفرق المعارضة بأنواعها هي في الأساس أحزاب سياسية اتخذت العقائد سلاحا لتثبيت السلطة أو للقضاء عليها؛ وبالتالي لا تفهم العقائد إلا من خلال المعارك السياسية. وكان سلاح التكفير في أيدي السلطة وخصومها سلاحا سياسيا متسترا وراء الدين في مجتمع العقائد فيه مصدر سلطة، والنص مرجع وحكم. ولا فرق بين فرقة ناجية وفرق ضالة، كلها سواء. وما كفرته الفرقة الناجية هي نفسها وقعت فيه، وأتاها الفقهاء يضللون عقائدها كما ضللت هي عقائد الفرق الضالة. ومن أعلى من الفقهاء سلطة في مجتمع ديني أو سياسي يقوم على الدين؟ لقد تبارت جميعها في الكلام وتركت الفتوح، وشقت وحدة الأمة، وزرعت الأحقاد، وأشعلت الفتن فيها، وسفكت الدماء باسم العقيدة، كل منهم يدافع عن إله السماء ويترك إله الأرض. وجرى الحكام مجراهم وراء المذاهب النظرية، فتحولت السلطة السياسية إلى حكم بين المذاهب، وأصبح السيف هو الفيصل بين الأقلام. لا فرق إذن بين تراث السلطة وتراث المعارضة، بين فرقة السلطان وفرق المعارضة، في ضياع جهد الأمة فيما لا يفيد تأكيدا لاغتراب الناس عن مواقعهم، وتعمية للناس عن مشاكلهم الحقيقية ورؤية واقعهم. وإن لجوء الفقهاء إلى النص الخام أقرب إلى العودة إلى منبع الطاقة الحية والقوة الضاربة الطبيعية ضد صياغات الفكر ومتاهات العقول. ومع ذلك يظل هو أيضا سلاحا متبادلا بين الفقهاء، فقهاء الأمة وفقهاء السلطان.

95

| رابعا: من الوحدة إلى التفرق أو من التفرق إلى الوحدة

إذا كان تاريخ الفرق قد دخل كملحق للإمامة وتذييل لها في بعض مصنفات العقائد، فإنه هو الموضوع الرئيسي في معظم مقدمات مصنفات الفرق.

1

تبدأ المقدمات ببيان أوجه الخلاف وكيفية وقوعه، وكيف تحولت الوحدة الأولى إلى كثرة، وكيف تشعبت الأمة إلى فرق، وكيف تحولت موضوعية الدين والعقائد إلى ذاتية الأهواء والمصالح، وكأن علم الكلام الغرض منه هو إعادة الرتق والعودة من التفرق إلى الوحدة، ومن الهوى إلى العقل، ومن المصلحة إلى الفكر، ومن الذاتية إلى الموضوعية.

2

والوحدة الأولى هي وحدة الجماعة التي وحدها الوحي لأول مرة؛ فهي إذن ليست فقط وحدة الفكر، بل وحدة الأمة، ووحدة الأمة في وحدة فكرها وهو الوحي. ولما كان الفكر ما هو إلا عمل قبل أن يتحقق تعني وحدة الأمة وحدة الفكر والعمل على السواء.

3

ولا يكفي أن تؤمن الأمة بإحدى مراحل الوحي، نبوة بعينها، بل بالوحي الشامل في كافة مراحله حتى ختم النبوة وتحقيقها في التاريخ. ولا تكون وحدة الأمة في وحدة العمل الرمزي الممثل في ممارسة الطقوس والشعائر؛ لأن العمل أوسع من ذلك بكثير، عمل مباشر، فكر يتحقق.

4

وحدة العمل الرمزي تعبير عن وحدة الفكر والعمل في الواقع العريض، وليس العمل المتقوقع على ذاته المنفصل عن الواقع. كما أن وحدة الفكر ليست وحدة العقائد المنفصلة عن الواقع، بل هي وحدة المقاصد والغايات التي تتحقق في الواقع كأنظمة مثالية تعبر عن طبيعته وكماله.

5

والتفرق ليس هو الخلاف حول المسائل العملية، بل هو التفرق في المسائل النظرية. المسائل العملية الخالصة أدخل في علم الفقه وفي علم أصول الفقه منها في علم أصول الدين. قد تثير بعض المسائل العملية إشكالات نظرية، وتكون بداية لاتجاه كلامي، كما هو الحال في موضوع الإمامة، والتي أصبحت عنوانا لفرقة بأكملها، ومثل موضوعات الإيمان والعمل والكفر والطاعة والمعصية، والتي كانت مسائل عملية برزت في الفتنة لتحديد سلوك الناس، ثم نشأت حولها فرق بأكملها.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٣٩