تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

89

مرة بعد مرة، وسقيه الألف والألوف من ماء يسير ينبع من بين أصابعه، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة، وتكلم الذراع، وشكوى البعير، ومجيء الذئب؛ وذلك لأنه لم يتحد الناس بذلك، ولا توجد آية إلا ما تحدى به الكفار فقط. وهي معجزات بها كثير من الخيال الشعبي وأنماط البيئات الحضارية الأخرى.

وعلى العكس من ذلك وفي مواجهة المعارضة العقلية يكون النظر في دلائل الإسلام فرضا، ويكون الشك في صحة النبوة شرط النظر، وهما طرفا نقيض، إما الخرافة أو الشك. في الأول لا فرق بين النبي والساحر، وفي الثاني لا فرق بين النبي والفيلسوف. وقد يأتي يقين النبوة من التواتر. أما إعجاز القرآن فإنه قد يكون النظم وهو ما تقول به فرق الأمة كلها، أو القرآن القديم الذي لم ينزل، ولم يقرأه أحد، ولم يسمعه أحد! فكيف يكون هذا المجهول معجزا؟ وكيف يدخل به الناس التحدي؟ والقرآن الذي بين دفتي المصحف فإنه مقدور عليه، أقل سورة منه ليست كذلك، بل مقدور على مثله. أما تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع السور فمن الناس، وليس من الله؛ وبالتالي ينكر بعض الأشاعرة التوقيف. هو من الإجماع وليس من النبي. ويمكن قراءة القرآن بالفارسية على خلاف إجماع الأمة على قراءته بالعربية. وعند أحد الأشاعرة، خالف كل من فقهاء الأمة الإجماع، إما في سجدة في قراءة القرآن، أو في اعتبار البسملة جزءا منه، أو إبطال القياس مصدرا من مصادر التشريع.

90

أما بالنسبة لشخص النبي فلا يلزمه زكاة مال؛ لأنه اختار أن يكن عبدا، والعبد لا زكاة عليه، فلم يورث ولم يرث، وخشي العامة. وقد اختلفت الفرقة الناجية في كون النبي أفضل أهل زمانه حالة إرساله أو ما بعدها حتى موته، والناس فيه بين مقصر ومطول، بين مخصص ومعمم. وتجوز الكبائر من الأنبياء حاشا الكذب في البلاغ، وقد يجوز للنبي الكفر بعد الرسالة، وجميع المعاصي الصغار والكبار، بما في ذلك قتل النساء وتعريضهن، وتفخيذ الصبيان. ولما ازدوج التصوف بالأشعرية، وأصبح كل منهما يدعم الآخر لحساب السلطان؛ الأول صعودا إلى الله واتحادا به، والثاني نزولا من الله وطاعة له؛ فقد جعل بعض الصوفية الأشعرية الأولياء أفضل من الأنبياء والرسل، فسقطت عنهم الشرائع، وحلت لهم المحرمات، واستباحوا نساء غيرهم. وفي الوقت نفسه رأينا أنهم يرون الله ويكلمونه، ويقذف الله في قلوبهم علما لدنا! يجالسون الله ويرونه في صورة إنسان لحما وعظما، فرحا وحزنا، يعيش معهم في الأزقة وهم وراءه كمجنون الحارة!

91

وفي أمور المعاد تفنى الجنة والنار حتى يبقى الله وحده لا يشاركه أحد في صفة البقاء. وتسري الروح وتنتقل من جسم إلى آخر كما تنتقل أرواح الشهداء إلى حواصل خضر، فالروح تبعد وتقرب، تسكن وتتحرك. تعود الحياة إلى «عجب الذنب»، منه خلق ومنه يعود من جديد.

92

ويظهر موضوع الإيمان والعمل أكثر من الإمامة، وبه كل نقائص الصلة بين الإيمان والعمل؛ فقد يكون الإيمان قولا وإقرارا باللسان فحسب، أو تصديقا بالوجدان فقط، أو معرفة نظرية صرفة، أو عملا أهوج لا يسنده نظر. فالإيمان ليس معرفة فقط، وإن كفر فرعون وإبليس لم ينشأ من نقص في المعرفة. ولا يمكن أن يكون الإيمان عقدا بالقلب فقط وتصديقا بالوجدان بلا تقية، وإن عبد الأوثان أو التزم باليهودية أو النصرانية وعبد الصليب وأعلن التثليث، وإلا ففيم الإيمان؟ وكيف يتخارج في قول أو في فعل؟ ولا يمكن أن يكون الإيمان بالقول وحده، وإن اعتقد الكفر بقلبه، وأن تكون له الجنة، فالقول ما هو إلا دليل على الوجدان، والوجدان تصديق للمعرفة، والكل يتخارج في الفعل. ولا يكفي أن يكون الإيمان فعلا ظاهريا بالإسلام وتكذيبا باللسان بلا تقية؛ فالقول تعبير عن معرفة وتصديق، ولا يمكن إخراج الفعل من الإنسان حتى لا تضر مع الإيمان سيئة، ولا تنفع مع الكفر طاعة. ولماذا لا تقبل التوبة إذا ما استوفت شروطها من الندم على ما فات، وترك الزلة في الحال، وعقد العزم على عدم العودة لها في المستقبل، وتكفي في ذلك معصية واحدة دون كلها؟ ولماذا لا يغفر الله الصغائر بارتكاب الكبائر؟ فإذا ما تم اقتران المعرفة بالتصديق بالقول بالفعل ظهر الإيمان الكامل المؤدي إلى الجنة بالضرورة دونما كسر لقانون الاستحقاق، فالبداية الحسنة تؤدي إلى النهاية الحسنة دونما تدخل في علم الله أو إرادته.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٣٨