تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83

ومهما تم من إثبات التغاير بين علم الله وعلمنا، وبين قدرة الله وقدرتنا، فنظرا لاشتراك الاسم فإن كلا العلمين والقدرتين يدخلان تحت صفة واحدة هي العلم أو القدرة. فهل يجوز أن يشارك الإنسان الله في صفاته، أو أن يشارك الله الإنسان في تسمياته؟ ومهما تم من إثبات قدم علم الله وقدرته، وحدوث علمنا وقدرتنا، يظل الاشتراك قائما في وقوع العلمين أو في وقوع القدرتين تحت جنس واحد. ومهما أفردنا الله بهذه الصفات، وأطلقنا عليه وحده هذه التسميات، فإن الإنسان محتاج إليها، والخلق يوصف بها، والحاجة تقتضي التلبية؛ وبالتالي زاحم الإنسان الله في الصفات والأسماء. صفات الله إذن هي نسبة الإنسان صفاته له، ولا يمكن فصلها بعد نسبتها إلى الله عن الإنسان قياسا للغائب على الشاهد. وإذا كان المعنى صوابا فإن التسمية خطأ. وإذا كانت النية صحيحة فإن النتيجة خاطئة. لم يخلق الله الإنسان إذن على صورته ومثاله، بل إن الإنسان هو الذي سمى الله على صورته ومثاله؛ فبدلا من أن يكون الله تصورا حديا أو فكرة محددة للإنسان، أصبح الإنسان هو التصور الحدي أو الفكرة المحددة لله. وبدل أن يكون الإخلاف هو الأساس بين الغائب والشاهد، أصبح التماثل هو الأساس. إذا كان الله مريدا بنفسه فإن الإنسان مريد بإرادة، أو إذا كان الإنسان مريدا بإرادة فإن الله، لأنه أعظم، مريد بنفسه. كما أن الأمر بالشيء لا يدل على كونه مرادا، والنهي عنه لا يدل على كونه مكروها، إلا بناء على قياس الغائب على الشاهد.

84

لم تمنع عقائد الأشاعرة إذن من الوقوع في التجسيم والتشبيه، ولم يمنعها الاحتراز بقولها «بلا كيف» عن ذلك؛ لأنه مجرد تحصيل حاصل، خطوة إلى الوراء وخطوة إلى الخلف، هروب والعقل إقدام. إن القول بقدم الصفات يؤدي إلى القول بأزلية الكلام؛ وبالتالي أزلية القرآن وهو كتاب، حبر وورق، كما يؤدي إلى القول بأزلية العالم لما كان العالم مخلوقا بالعلم الإلهي والإرادة الإلهية.

85

وقد أدى هذا التصور لقدم الصفات إلى خطأ أعظم في تصور قانون للطبيعة بدعوى الرد على الدهرية والحكماء والثنوية في القول بحتمية قوانين الطبيعة، وانتهى الأمر إلى إنكار سنن الله في الكون، ورفض العلل المباشرة، وإنكار حرق النار وإذابتها، وسكر الخمر، وشبع الخبز، وري الماء للشجر، وبرودة الثلج، وشبع الطعام، وسقوط الحجر، وحلاوة العسل، ومرارة الصبر، وكأن الله خلق ذلك عند اللمس والذوق، حتى ولو بدون حواس، عندما يكون لقشور العنب رائحة، وللحصى والفلك طعم ورائحة. وهو حمق أدى إلى إنكار الطبائع. كما انتهى الأمر إلى الوقوع في الأساطير الكونية، مثل أن يكون في الأجرام جسم عظيم يمسكها من أن تهوي، ثم أفناه وخلق غيره إلى ما لا نهاية، وإنكار قوانين الجاذبية.

86

أما فيما يتعلق بأصل العدل، فإن نقد الفقهاء لعقائد الفرقة الناجية إنما يتجه نحو سوء استعمال العقل في تأصيل العقائد، وهو أيضا نقد الحكماء لعقائد الأشعرية.

87

فالعقل عند الفرقة الناجية لا هو عقل ولا هو نقل؛ فالحجج العقلية لا تستقيم، وتأويل النصوص بعيد؛ فلا هي أحسنت التأويل، ولا هي تركت النصوص على ظاهرها. وقد اقتربت الفرقة الناجية من بعض نظريات العدل عند المعارضة العلنية في الداخل فيما يتعلق بوجوب الصلاح والأصلح، واستحالة الظلم والفساد على الله، وهو ما يناقض عقائد الأشعرية بأنه لا يجب شيء على الله، وبأن القول بالصلاح والأصلح تكذيب لله، وبأن عدم قدرته على إظهار المعجزات على يد كذاب تعجيز لله.

88

وتأخذ السمعيات نصيبا أوفر من نقد الفقهاء للفرقة الناجية، خاصة النبوة والإيمان والعمل. فبالنسبة للنبوة كان محمد رسول الله في الماضي، في فترة نبوته وفي حياته، ولكنه ليس كذلك اليوم. فالنبوة موقوتة بزمان، وظاهرة في عصر؛ لأنها تعبير عن تطور الوحي طبقا لتطور الوعي البشري. وليس السبب طبيعيا، أن الأرواح أعراض تفنى ولا تبقى وقتين. أما الدليل على صدق الرسول فليس إطعامه المئين والعشرات من صاع شعير

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٣٧