68
ولماذا تكفير القائل بأن الإنسان جسد لا روح؟ وماذا يكون الإنسان إذن إن لم يكن هذا المرئي أمامنا؟ إن علاقة الله بالعالم مثل علاقة الروح بالبدن، مدبر له دون أن يكون حالا فيه. وما العيب في تعريف النفس بأنها ماهية لا وجود، ماهية خالصة؟
69
وفي الإلهيات كان القول بحدوث الصفات حرصا على الذات الإلهية، وتنزيها لها من الشرك والقول بتعدد القدماء، الذات والصفات، واعترافا بأن الصفات هي في النهاية تشبيه، تطلق على الإنسان حقيقة، وعلى الله مجازا. وإنكار الصفات ليس وقوعا في التعطيل، بل حرص على التنزيه الخالص، وعلى أن الله ليس كمثله شيء، تعالى عما يصفون. كما أن ذلك سيحل قضية خلق الأفعال، ويعطي الإنسان القدرة على خلق أفعاله بنفسه؛ فإنكار الصفات أو القول بحدوثها هو إثبات سلبي لحرية الأفعال عن طريق القضاء على موانعها، وفي مقدمتها علم الله المسبق وإرادته المطلقة. فلماذا إذن تكفير القائل بقسمة العلم إلى قسمين؛ الأول العلم بالعام والشامل، والثاني العلم بالخاص؛ الأول قبلي، والثاني بعدي؟ ليس في ذلك وقوع في التناقض أو إثبات جهل الله، وليس ظاهره علما وباطنه جهلا، إنما الغاية إثبات العلم الاستقرائي الإنساني الذي يقوم على الكسب والمعارف الخارجية، ثم إنقاذ الحرية الإنسانية من علم الله المسبق الحاوي لكل شيء. وإن اعتبار الصفات أحوالا هو تحول الموضوع من مستوى الطبيعة، الجوهر والأعراض، إلى مستوى النفس، فأحوال النفس هي أحد الحلول الوسط بين الذاتية والموضوعية، بين الإثبات والنفي، بين القدم والحدوث، بين التشبيه والتنزيه، بل إن التجسيم أيضا دافعه عند الصوفية وعند جماعات الاضطهاد. فالواقع أبلغ من الفكر، والمادة أكثر حضورا من الروح، والحس مشاهدة، والعقل تصور. وإن اعتبار الأفعال من العرش وليس من الله هو زيادة في التنزيه حتى يبقى الله، وليس كمثله شيء، غير متصل بالحوادث. والسمع والبصر وسائل للعلم، وليسا صفات مستقلة حتى يمكن رد التشبيه إلى التنزيه. وما المانع أن يقال إن الله عقل وعاقل ومعقول كما هو الحال عند الحكماء، فالمثل الأعلى هو وحدة الذات والموضوع؟ إن إثبات الحدوث في الذات أو في الصفات هو في النهاية إثبات للزمان والتغير والحركة والتاريخ، ورفض تصور الله فاعلا بلا مضمون، فالله محل للحوادث، وكل ما يحدث في التاريخ إنما يحدث فيه، فلا شيء خارج الله ما دام الله هو كل شيء. وإن خلق الأشياء على منوال سابق ونمط في الذهن صورة إنسانية لما يكون عليه الخلق يقاس فيها الغائب على الشاهد. وإن نفي الرؤية إنما هو رفض لتحويل الذات إلى موضوع، والوعي الخالص إلى مادة. وفي الوقت نفسه يكون إثبات حدوث الكلام عودا إلى تجسيم الكلمة وتحقيقها في التاريخ، ما دامت أصبحت مقروءة ومسموعة ومكتوبة ومرئية كصوت وحرف، أو محققة ومطبقة كمعنى وشريعة. وإنه لمن الأجدى الاعتراف بأن الإنسان لا يقدر على أن يصف الله في ذاته، بل أن يدركه قياسا للغائب على الشاهد، وأن الأصل في الوصف هو النفي؛ نفي النقائص الإنسانية وقلبها إلى أوصاف الكمال الإلهي.
70
وفي أصل العدل، لماذا يكون خلق الإنسان لأفعاله ومسئوليته عنها كفرا؟ ولماذا تكون حرية الاختيار كشرط للتكليف كفرا؟ إن استرداد الإنسان لأفعاله، وجعلها إما له أو للطبيعة، لأنه لا يمكن أن يكون لا فاعل لها أصلا، أو أن يكون فاعلها هو الله، لأن الله لا يفعل مباشرة في الطبيعة، ذلك ليس تجديفا على الله أو إنكارا لسلطانه؛ لأن قوانين الطبيعة من خلق الله، وسنن الكون من وضعه. ليس في خلق الأفعال أي خروج على التوحيد، بل هو إكمال له وإثبات للوسائط والأسباب. وهل الله ساحر ومشعوذ، يقلب القوانين رأسا على عقب، يجعل الشيء ساكنا متحركا أو في مكانين معا أمام دهشة الناس؟ إن بعض العبارات بالرغم من صياغتها التي قد تصطدم بإيمان العوام تحت سيطرة فرقة السلطان تدافع عن القدرة الإنسانية والقانون الطبيعي. إن القول بفناء مقدرات الله إنما يهدف إلى إثبات حرية الإنسان، وإن إثبات الإنسان خلق أفعاله ليس وقوعا في الشرك، بل وحدانية الفعل ومسئولية الإنسان، بدلا من إعزاء الوحدانية والمسئولية إلى الله كما هو الحال في الجبر، أو إثبات الشركة بين الله والإنسان كما هو الحال في الكسب. وما المانع، بصرف النظر عن الصياغة، أن يقال إن الله مطيع لعباده إذا فعل مرادهم؟ لهذا الحد بلغت قيمة الإنسان واحترامه لنفسه ولفعله.