65
ولكن الغالب في التكفير هو نظرية الوجود؛ لأنها تتعلق بالعالم والسيطرة عليه؛ فالوجود في ظاهره طبيعيات، ولكن في حقيقته إلهيات مقلوبة على الطبيعة؛ وبالتالي أمكن التكفير فيها لأنها ليست مسائل طبيعية خالصة لا تمس العقائد. فإذا تكونت نظرية الوجود من الأمور العامة (الميتافيزيقا) ومبحث الأعراض (الظاهريات) ومبحث الجواهر (الأنطولوجيا)، فقد كان الغالب هو مبحث الأعراض والجواهر أكثر من ميتافيزيقا الوجود الخالصة التي هي مبادئ صورية عامة يحكمها العاقل، مثل الوجود والماهية والعدم والوحدة والكثرة والعلة والمعلول والوجوب والإمكان والاستحالة، باستثناء إثبات المعدومات أشياء على الحقيقة لا نهاية لها، وذلك تعبير عن قوة الإحساس بالظلم من أجل إثبات الشر، وليس مجرد تبخيره بتفاؤل المتنصر الذي بيده الأمر.
66
وفي مبحث الأعراض غلب مبحث الكيف على أنه تحليل للحواس، وخاصة الرؤية. والقول بأن الحواس أكثر من خمس، سبع مثلا، من أجل التركيز على أهمية المعارف الحسية وتنوعها.
67
ويطغى مبحث الجواهر والأجسام على مبحث الأعراض والكيف؛ وذلك تكفيرا للقائل بالموقف الطبيعي من أجل هدم القانون وإثبات لقدرة الله المطلقة القادرة على إيجاد جواهر بلا أعراض، أو أعراض بلا جواهر، وإنكار نظريات الكون والطفرة والتولد وخلق الأجسام لأعراض بذاتها؛ وبالتالي يتم تدمير الطبيعة لحساب الله، أي القضاء على العالم لحساب السلطان، مع أن خلق الطبيعة لذاتها ليس إنكارا للخلق. والخلاف هو: هل الخلق من الخارج أم من الداخل؟ هل هو خلق وفق إرادة مطلقة أم أنه يتم وفقا لقانون؟ وكيف يخلق الله الشرور والآثام والعقارب والحيات والآفات؟ وهل يصدر عن الخير شر، وعن الحكمة سفه، وعن الإتقان خلل؟ وأيهما أكثر تنزيها لله؛ أن يكون هو خالق الشر أم أن يكون الإنسان مصدر الشر؟ وإذا كان الخير من الله، والشر من الإنسان، أليس سوداوية صرفة، واتهاما للذات أن يكون السلطان مصدر الخير، ولا يفعل إلا الخير، وأن الشر مصدره الإنسان الشرير، وهو المعارض الرافض لأوامر السلطان؟ ولصالح من إنكار العلل الثانية، وإرجاع كل شيء إلى العلة الأولى؟ ألا يعني ذلك إنكار إرادات البشر، وتحويلها كلها إلى إرادات واحدة يصعب بعدها معرفة إرادة من، إرادة الله أم إرادة السلطان؟ ولماذا تكفير القائل بأن الأعراض كلها من جنس واحد؟ ولماذا التمايز في المادة؟ إن الهدف من الفكر العلمي هو إيجاد قانون مطرد، وإيجاد المتشابهات في الأشياء، في حين أن الهدف من الفكر الديني هو إيجاد الاستثناءات والمختلفات في الأشياء. وإن إثبات الأعراض حركة أقرب إلى العلم من إثباتها أشياء ثابتة. ولماذا تكفير القبائل بأن الأجسام خلقت الأعراض بأنفسها؟ وهل يحتاج كل عرض إلى خلق مستقل وتدخل الإرادة الإلهية في كل لحظة، وكأن الشيء ليس له قوة طبيعية من داخله؟ وما الكفر في أن يخلق الله قوانين الطبيعة، وأن تكون هي أسباب الحركة والثبات في الكون؟ وما العيب في أن يكون الإنسان خالقا للإدراكات على سبيل التولد؟ أليس الإنسان صاحب أفعاله الجسمية العضوية؟ وهل تدخل قدرة الله في عمل العين أو الأذن؟ هل هذا تنزيه لله وتقديره حق قدره أم هو تصور اللاهوت القاهر ضد العلم وضد قوانين الطبيعة؟ وأيهما أقرب لإثبات القدرة الإلهية؛ خلق الأعراض أم خلق الأجسام؟ ما العيب في القول بأن الإنسان مدبر الجسد، وأن الله مدبر الكون، وأن مملكة الإنسان في بدنه كما مملكة الله في الطبيعة؟ هل هذا شرك؟ وهل من عظمة الله الاستئثار بكل شيء دون قوانين ودون أسباب أو وسائط؟ أليس ذلك تبريرا للسلطة المطلقة في السياسة والاجتماع، أو في غيرها من النشاطات الإنسانية ابتداء من بنية النفس وتصورات الذهن؟ وما المانع من إثبات أعراض لا نهاية لها؟ وهل يوقع ذلك في الشرك لأن الله لا نهاية له؟ وهل التفرد بالوحدانية يعني الاستئثار بها أم تعميمها حتى تكون الوحدانية في كل شيء؟ ألا يمكن التفكير في الطبيعة دون حدود لاهوتية؟ إن اللاهوت موقف نفسي خالص، وليس موقفا علميا، يعبر عن وضع وجداني تجاه العامل، وليس عن اتجاه علمي نحو الطبيعة. وما العيب في القول بالطباع أو قانون الجاذبية وباقي قوانين الطبيعة؟ هل مهمة اللاهوت إدانة العلم وإثبات العقيدة ضد قوانين الطبيعة وتصور الله مضادا للعالم؟ ألا يؤدي ذلك إلى النتيجة العكسية بإثبات الطبيعة ضد الله، وقوانين العلم ضد قواعد الإيمان؛ ومن ثم ينتهي علم العقائد إلى القضاء على نفسه بنفسه، وإثبات شرعية مكتسبة للعلم؟ وما المانع أن تكون الرؤية بين الرائي والشيء المرئي تفاعلا مشتركا بين الذات والموضوع، وأن تكون الأجسام كيفيات محضة تتلاقى فيها الذاتية والموضوعية، بدلا من الذاتية الخاصة والموضوعية الخالصة، ووضع الله كذات مطلق يرى الأشياء بدل الإنسان ولا ينفعل بها؟ وما الداعي لإدخال الله في خلق الإدراكات الحسية بعد تقابل الذات والموضوع؟