تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

71

وما العيب في أن تكون للإنسان استطاعة قبل الفعل لأخذ القرار، ومع الفعل للتنفيذ، وبعد الفعل لاستمرار النتائج وبقاء الأثر؟ وهل في إثبات استطاعة الإنسان وقدرته أي خروج على العقيدة أو الشريعة؟ وكيف تقام الشريعة إن لم يكن للإنسان استطاعة على الفعل؟ وكيف يقع التكليف والاستحقاق دون استطاعة؟ ولماذا لا يكفي القول بالجبر وإنكار الاستطاعة والفعل؟ هل العدل أقل قيمة من التوحيد؟ ولماذا لا يكفر القول بالقضاء على حرية الإنسان وعقله؟ هل التكفير فقط في حق الله وليس في حق الإنسان؟ وهل يكفر الإنسان لقوله بفناء الجنة والنار أو بحدوث علم الله، ولا يكفر لقوله بالجبر وإنكاره المسئولية، وكأن إيمان الناس بالجبر في صالح فرقة السلطان، ويظل القائل به مؤمنا مطيعا ومواطنا صالحا؟ يكفر الإنسان إذا ما قال بعقائد فرق المعارضة، ويؤمن إذا قال بعقائد فرقة السلطان!

72

وفي العقل الغائي الشق الثاني في أصل العدل، ما الكفر في القول بالصلاح والأصلح أو بالعلية والغائية في الخلق؟ ما العيب في أن يوجب الله على نفسه القانون درسا للإنسان وتعليما له بأن كل شيء يخضع لقانون، وأن لا شيء متروك للهوى أو للمصادفة؟ وبصرف النظر عن الصياغة التي قد تبدو متناقضة - كيف يوجب الله على نفسه فعلا وكيف يخضع نفسه لقانون - وبصرف النظر عن النتائج المتخوف منها - كيف تكون أفعال الله الحادثة - فإن الغاية هي تصور عالم يخضع لقانون حتى يمكن تسخيره والعيش فيه. إن وجود قانون خلقي أو طبيعي لا يعني تحديد أية قدرة مطلقة؛ وذلك لأن صفات هذا القانون الاطراد والعموم والشمول، وهي صفات مطلقة يدركها الإنسان ويمتد بها، فيكون قادرا على خلق أفعاله وممارسة حريته. وما العيب في أن يكون الإنسان خالقا، والتضحية بالله في سبيل الإنسان يرضاها الله؟ بل إن خلق الإنسان لأفعاله لا حدود لها، ويستطيع المسلم أن يفعل حسنات أكثر من النبي لو طال عمره. ولماذا سد الطريق أمام إمكانيات الإنسان وتفاؤله؟ بل إن الله يزيح علل العباد حتى يجعلهم أكثر قدرة مما هم عليه. وهو لا يفعل بهم إلا الصلاح، ولا يختار إلا الأصلح لهم. لم يخلق الإيمان ولا الكفر ولا أفعال العباد، ولكن العباد هم خالقو أفعالهم الداخلية والخارجية والطبيعية والاجتماعية. وهو لا يظلم أحدا، ولا يخرق قانون الاستحقاق، ولا يقلب الأضداد، ولا يفعل الشر. وأيهما أكثر تنزيها لله إذن؛ جعل الله وهو الخير مصدر الشر، أم تبرئته عن فعل الشر؟ أيهما أخطر؛ ارتكاب خطأ في الصياغة اللغوية بقول «الله لا يقدر على ...» أم ارتكاب خطأ فعلي وهو جعل الله مسئولا عن الظلم؟ الله خير محض ولا يفعل الشر، بعكس الإنسان الذي يفعل الحسن والقبيح. ليس معنى ذلك أن الإنسان أقدر من الله، بل إن للإنسان حرية الاختيار، ولله ضرورة الخير. فما البديل عن هذا التصور بحيث يحفظ لله ضرورته، وللإنسان حريته؟

73

وبالنسبة للسمعيات، فإن القول باستمرار النبوة هو رغبة في استمرار المقاومة بالسلاح الفكري نفسه. ولما أولت فرقة السلطان النبوة لصالحها، فإن فرق المعارضة قالت باستمرارها. فليس من العدل أن تتحول النبوة إلى خلافة ظالمة، ولا تستمر كي تحقق غايتها من إقرار العدل. فالنبوة مستمرة في المقاومة، والإمام العادل وليس الإمام الظالم هو خليفة النبي، والزمان لم ينته بعد، والتطور لم يكتمل بعد، والنبوة لم تحقق غايتها بعد طالما أن حكم العدل لم يتحقق، وأن حكم الظلم هو الذي يسود. ولا يتطلب ذلك إلهاما من الله أو وحيا منه بالضرورة، بل يمكن أن تكون النبوة مكتسبة؛ فكل من بلغ الغاية من الصلاح وطهارة النفس أدرك النبوة، فالنبوة ليست هبة أو اختصاصا أو وقفا على أحد، بل هي عامة في كل من يبغي الإصلاح ويهدف إلى الكمال؛ فكل داعية رسول، وكل رسول داعية. الرسل مثل الزعماء والقادة والمصلحين والثوار، يهدفون إلى تغيير مجتمعاتهم إلى ما هو أفضل، ولا حاجة إلى ألقاب مثل رسول الله أو نبي الله خشية أن يتحول اللقب إلى شخص، وتنقلب اللغة إلى وجود، والمظهر إلى الحقيقة، والنداء إلى مناد. يكفي النداء على الرسول أو على المصلح باسمه دون ألقاب؛ منعا للتأليه أو التعظيم الزائد كما حدث في الديانات السابقة. والقرآن هو تجسيد النبوة، ليس بالضرورة في المصاحف المكتوب في الورق بالحبر بين دفتي الكتاب، بل هو إحدى صياغاته أو رواياته أو حكاياته؛ فالوحي أكثر من صياغاته الزمانية، وتجربة أعم من التجسيدات الوقتية. ولا حرج في إنكار بعض حروف القرآن، أي قراءاته؛ لأنها اجتهادات شخصية تصيب وتخطئ.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٣٤