تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

وبالرغم من استطاعة الناس الاستغناء عن الإمام نظرا لطبيعتهم الخيرة، والتي لا تفسد إلا بالسلطة الجائرة، فإن الإمام هو الذي يقوم بتطبيق الحدود؛ وبالتالي هو الذي يحدد الكفر، وإذا كفر الإمام كفرت رعيته معه مهما امتدت أطراف البلاد شرقا وغربا، ومن مات قبل أن تبلغه الرسالة فقد كفر أيضا. يكفرون الأمة، والأمة تكفرهم، ومع ذلك يمكن التعايش بينهم ما داموا لا يحملون السلاح؛ فالمحك هو الطاعة لأولي الأمر والإذعان للسلطان.

61 (3-3) المعارضة العلنية في الداخل

وتمثل المعارضة العلنية في الداخل أقوى أنواع المعارضة وأمضاها؛ نظرا لأنها معارضة شرعية تقوم على النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس في أصولها النظرية الخمسة، التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما يستوجب التكفير إلا عن سوء نية وتعمد حصار. وهي معارضة عقلية لا انفعالية، علنية لا سرية، تعتمد على الحجة والدليل، وتطلب مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. يصعب إذن تكفيرها على مستوى العقائد النظرية أو الممارسات العملية. وهي التي أنشأت الحضارة؛ لأنها تعمل عقليا من الداخل، كما أنها كانت الدافع على صياغة عقائد فرقة السلطان كرد فعل عليها، ولتحقيق غايات مضادة لها. ويمكن عرضها بطريقتين؛ الأولى بعقائدها الرئيسية، ثم بعقائدها الفرعية طبقا لتنوعات الفرق داخلها؛ والثانية طبقا لموضوعات علم أصول الدين بصرف النظر عن فرقها الرئيسية أو الفرعية. الأولى الموضوعات من خلال الفرق، والثانية الفرق من خلال الموضوعات.

62

وإن تسمية الفرق بأسماء مؤسسيها لأولى وسائل الإبعاد والمحاصرة، وكأن الفرقة تدعو لأفكار مؤسسها وليست نسقا عقائديا مكتملا يبني موضوعات عقائدية وأصولا عقلية، بل توضع مع المشبهة، وفرق بين التنزيه والتشبيه؛ أو مع الجبرية، وفرق بين الجبر وخلق الأفعال.

63

ولا تذكر من فرق الأمة إلا فرق المعارضة دون فرق التأييد مثل الصوفية، مع أن عقائدهم مخالفة تماما لعقائد فرق السلطان؛ مما يدل على أن مقياس التكفير ليس العقائد، بل طاعة السلطان. فالصوفية ليسوا من قوى المعارضة، بل نزعة هروبية من العالم في البداية، وتنتهي بالاستسلام والرضوخ والإذعان. تؤيدها الدولة نظرا للمصالح المشتركة بينهما في إبعاد الناس عن العقل، والوقوع في أسر الشعوذة والسحر. وقد قامت عقائد الفرقة الناجية وازدوجت بعقائد الصوفية ما دامت الغاية واحدة. كما تم استثناء الفلاسفة عن التكفير، وعقائدهم شبيهة بعقائد المعارضة السرية من الداخل، ويعتمدون على التأويل مثلهما. ولا تقسم الفرق حسب العقائد، بل حسب التطرف والاعتدال، الإسراف والاقتصاد، المغالاة والتوسط، وكأن الهدف هو القضاء على التطرف والإسراف والمغالاة حتى يبقى النظام قائما على الحلول الوسط بعد استبعاد وحصار كل الحلول الجذرية. فكل الفرق تقوم على التأويل، والتأويل مشروع بناء على حق الاجتهاد؛ فدماء المسلمين وأموالهم محرمة فيما بينهم بواقع الشهادتين، وإن ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دم مسلم واحد. التكفير إذن ليس من أجل العقائد، بل من أجل المواقف السياسية، وهذه تتحدد بالتطرف أو التوسط تجاه السلطان.

64

ففي المقدمات النظرية الأولى في نظرية العلم، ما العيب في القول بأن المعارف ضرورية؟ أليست المعارف الضرورية هي المعارف الفطرية المغروزة في النفس، والتي تدل على أن الطبيعة البشرية عاقلة؟ أليست المعرفة الضرورية شرطا للمعرفة الاستدلالية، وكلاهما شرط التكليف؟ إن رفض المعارف الضرورية من فرقة السلطان، والتركيز على المعارف المكتسبة، إنما يهدف إلى زعزعة ثقة الإنسان بعقله، وإيمانه بالمعارف الآتية من الخارج، والتي تأتي من نظام الدولة، وليست من داخل الفرد. وإن الصراع بين المعارف الداخلية والمعارف الخارجية هو صراع سياسي بين الحرية الطبيعية والقهر الاجتماعي، بين المساواة الطبيعية واللامساواة الاجتماعية. أما التدقيق في شروط التواتر وتصعيبها، فإن ذلك رد فعل على التساهل فيه، ومن أجل التخفيف من سلطة النقل؛ فتحديد العدد بخمسة، وأن يكون من بينهم ولي، إنما هو إمعان في الدقة، وتركيز على شرط الأمانة الداخلية والورع في النقل، بعد أن خضع النقل أحيانا للهوى والتحزب والمصلحة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٣١