55
ففي السمعيات لا يظهر موضوع النبوة إلا قليلا؛ فتحت وطأة المعارضة لفرقة السلطان وللنظام اللاشرعي تستلهم نبوة أخرى قادمة من قوم آخرين تنسخ النبوة التي تحولت إلى شريعة ظالمة. تستمر النبوة ولا تنقطع؛ لأن تحول النبوة إلى خلافة ظالمة لا تقضي عليها إلا نبوة جديدة. ويكون الدين الجديد عودا إلى الدين الطبيعي بعد أن انهار دين الوحي ومثلته دولة ظالمة. ويكون للدين الجديد كتاب آخر مطابق للدين الطبيعي ينزل مرة واحدة، ويكشف الحقائق مرة واحدة دون تغير أو تطور أو نسخ طبقا لمصالح أحد، حتى ولو كان الإنسان نفسه أو جماعة المؤمنين. ويكفي للإيمان الشهادتان حتى ولو كانت النبوة للعرب وحدهم، والتزم الناس بالشهادة الأولى، ثم طبقوا شرائع اليهودية أو النصرانية؛ فشريعة خاتم الأنبياء تحولت على أيدي الناس إلى شريعة ظالمة. في هذه الأمة إذن شاهدان؛ الأول خاتم الأنبياء، والثاني شاهد آخر قد لا يتعين ظهوره قبله أو بعده. وهنا تلحق المعارضة العلنية في الخارج بالمعارضة السرية في الداخل في إثبات الحاجة إلى إمام آخر؛ أي إلى قيادة جديدة للأمة. وتعبيرا عن التطهر والتزهد والتعفف تنكر إحدى سور القرآن التي تشير إلى الغواية تمسكا بالنقاء والطهارة الروحية.
56
وبصرف النظر عن إشارة عابرة إلى المعاد، واعتبار أن عذاب النار ليس هو العذاب الوحيد، وأن العذاب لمخالفيهم وليس للموافقين معهم، لغيرهم وليس لهم، فإن الموضوع الغالب على المعارضة العلنية في الخارج في السمعيات هو النظر والعمل والإمامة. وهما متشابكان؛ إذ إن الثاني، إيمان الإمام أو كفره، يقوم على الأول، تحديد معنى الكفر والإيمان. فمرتكب الكبيرة كافر، ومن لا عمل له لا إيمان له، ولا وسط بين المؤمن والكافر، فاسقا كان أم عاصيا أم منافقا؛ ففي لحظات المقاومة لا وجود للحلول الوسط، ولا يثبت إلا طرفا الصراع، الشيء ونقيضه. وكيف يوجد وسط بين الإيمان قولا دون التصديق وجدانا أو التحقيق عملا؟ والمعصية جهل، وليست مجرد ارتكاب فعل مخالف للإيمان . ومن أتى بكبيرة فقد جهل، ليس من أجل الفعل، ولكن من أجل المعرفة؛ فالفعل معرفة، والعمل نظر؛ فلو ضاع الفعل والعمل ضاعت المعرفة والنظر. وقد تكون المعرفة بالله والمعرفة بالنبي؛ فمن عرف الله وكفر بالنبي فهو كافر لا مشرك، ومن جحد الله أو جهله فهو مشرك. فالمعرفة بالله، أي التوحيد، أساس الإيمان والكفر تأصيلا للأصول وبحثا عن الجذور.
57
وإذا كانت الكبيرة هي ما طبق فيه الحد، فإن أي فعل مهما كان صغيرا وكان به الإصرار كان كبيرا.
58
ويظهر التأرجح بين الشدة مع الخارج واللين مع الداخل في قوانين الطعام والنكاح؛ فيكفر الإمام في كل مكان، وتحرم المياه كلها لو وقعت فيها قطرة خمر! ويحرم طعام أهل الكتاب، وتحرم أنواع من الطعام مثل ذكر الحيوان، رمز الحياة والقوة والعنف، أو طهارة واستحياء وتعففا، والقضاء على من نام في رمضان فاحتلم واجب، ويحرم أكل السمك حتى يذبح، ويكفر من يخطب في العيدين، الفطر والأضحى. ومن مظاهر اللين الشرب من ماء الحموم، ولا صلاة واجبة إلا ركعة واحدة بالغداة وأخرى بالعشي، وأن الواجب في الزكاة نصف العشر مما سقي بالأنهار والعيون، والحج في جميع شهور السنة، ولا تؤخذ الجزية من المجوس، بل يصل الأمر باللين إلى تصور أن أهل النار في لذة مثل لذة أهل الجنة. ويمكن إسقاط حد الخمر، ويجاز نكاح البنات وبنات البنين وبنات الإخوة وبنات الأخوات حفاظا على جماعة المؤمنين.
59
وتبلغ حماية مجتمع الاضطهاد ولذاته ومقاومته لمجتمع الغلبة ونصرته لإمام العدل في مواجهة الإمام الظالم في تكفير المخالفين. ولا فرق بين البالغين والأطفال، بين الرجال والنساء. وكل من قعد عن نصرتهم أيضا فهو كافر؛ فالحق مع الخروج على الإمام الظالم، ولا سبيل للقضاء على الظلم إلا بالخروج بالسلاح، واستعمال العنف، وقتل المخالفين، والقسوة على المخالفين أشد من القسوة على أهل الكتاب.