47
وفي السمعيات، تظهر النبوة على أنها الموضوع البارز في عقائد المعارضة السرية في الداخل، فالنبوة تعني القدرة الخارقة، وهي مستمرة في الأئمة. وهم مثل خاتم الأنبياء حرفيون، بشر عاديون، وليسوا من الأشراف بالضرورة. فكما تحل روح الله في الأئمة تستمر النبوة فيهم.
48
وقد تأتي النبوة للإمام من الأساس بعد غلط جبريل وخلطه بين محمد والإمام. وبصرف النظر عن تعارض ذلك مع العقل، كيف يغلط جبريل سهوا أو عمدا والملائكة لا تخطئ، وإن أخطأت فالله يصححهم كما يفعل مع الأنبياء؟ وكيف يتعمد جبريل الخطأ وهو مطيع بالضرورة، معصوم من الخطأ؟ وهل يمكن الخطأ بين أوصاف خاتم الأنبياء وأوصاف الإمام النبي؟
49
والإلهام طريق المعرفة وللإمام، وهو أوثق من القرآن الذي بدل وزيد فيه ونقص منه.
50
كل ذلك إنما يهدف إلى إعطاء قوة لزعيم جماعة الاضطهاد حتى يستطيع الوقوف على قدم المساواة مع النبي في مجتمع القهر والغلبة. وفي المعاد تفنى الجنة والنار، ويكون الثواب والعقاب في هذه الدنيا إلى أبد الآبدين دونما انتظار إلى حياة بعد الموت ما دامت الأرواح تتناسخ؛ الخيرة في ملائكة، والشريرة في حيوانات. الخيرة هم دعاة مجتمع الاضطهاد، والشريرة زعماء مجتمع الغلبة.
51
وفي الإيمان والعمل، وطبقا لطبيعة المجتمعات السرية، فإنه تسقط الشرائع التي تمثل أداة ضغط وضبط اجتماعي في يد مجتمع القهر والغلبة، ويباح كل شيء. وفي الوقت نفسه يخلق المجتمع السري شريعته الخاصة التي تساعد على تماسكه الاجتماعي، ويخلق محرمات جديدة فيه؛ فيتراوح سلوك المجتمعات السرية بين التوسع والتضييق، بين الإباحة والتحريم، بين اللين والتشدد، دون توسط أو اعتدال؛ فالسلوك باستمرار في أحد الطرفين.
52
وفي الإمامة الكل كافر، من بايع غير الإمام، والإمام لرفضه حرب من لم يبايعه. وقد كان الإمام مرتدا قبل أن يتولى الإمامة. وقد يكون النبي هو المسئول عن هذا الخطأ لعدم توضيحه الأمر عن الإمامة من بعده.
53
ويبدو أن النماذج الدينية من البيئات الحضارية المجاورة قد ساهمت في إثراء الصور الفنية وتنوع أشكال التعبير، خاصة من اليهودية والمسيحية. وقد شاركت اليهودية مجتمع الاضطهاد في الظروف الاجتماعية والسياسية نفسها فيما يتعلق بألوهية الأنبياء والأئمة، أو مشاركتهم في الخلق باعتبارهم أول المخلوقات، ونزولهم آخر الزمان أو رجعة الأموات. وقد تداخلت البيئتان ليس فقط بفعل الترجمة، ولكن بفعل التعايش بين الأمم داخل الأمة الكبرى. ولكن يظل العامل الغالب هو الظروف النفسية والاجتماعية لمجتمع الاضطهاد الذي قد ظهر في شكل سياسي كما هو الحال في فرق المعارضة، أو في شكل احتفالي كما هو الحال في جماعات الصوفية.
54 (3-2) المعارضة العلنية في الخارج
وتشمل كل فرق المعارضة التي آثرت حمل السلاح لتقويض دولة الظلم علنا. ولما استحال ذلك في الداخل لاصطدامها مع فرقة السلطان والعسكر والشرطة، فإنها خرجت على أطراف الأمة للعودة إليها غزوا وفتحا جديدا. ويستحيل تكفير عقائدها في الإلهيات؛ لأنها تقوم على أصلي التوحيد والعدل، كما هو الحال في المعارضة العلنية في الداخل، ولكن يأتي التكفير أساسا موجها ضد السمعيات (النبوات)، خاصة في موضوعي النظر والعمل والإمامة، أي في عمل الفرد وعمل الجماعة، فعل الفرد وفعل الدولة. فإذا كانت قوة المعارضة السرية في الداخل في الإلهيات في عقائد التأليه والتجسيم والتشبيه، فإن قوة المعارضة العلنية في الخارج في النبوات في النظر والعمل وفي الإمامة. ويصعب على فرقة السلطان تكفير التنزيه وتكفير أصلي التوحيد والعدل. ونظرا لأن المعارضة العلنية في الخارج أهل عمل وليسوا أهل نظر، متحمسون سياسيا ، فإنهم يعتمدون في نظرهم على المعارضة العلنية في الداخل، وهم أصحاب النظر والمعارضة العقلية.