تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

أما المرتد فإنه يستتاب وإلا قتل، ولا تقبل منه الجزية حتى تستباح دماء المخالفين في الرأي باعتبار الرأي المخالف ردة. ولما كان الرجال هم أداة المقاومة أكثر من النساء، فقد خف الحكم على المرأة المرتدة. قد يكون حكمها كالرجل تستتاب، ولا تقتل دون أن تسترق أو لا تقتل. فإن لحقت بدار الحرب جاز استرقاقها بعد السبي حتى لا تفكر في المقاومة والخروج على السلطان. ويجب قضاء الصلوات والصوم المتروكين في حالة الردة دون الحج. وقد لا يوجب ذلك، وإنما الذي يوجب هو الحج قبل الردة. وأداء الشعائر لا يتم إلا بالعقيدة، حيث يجب الاستسلام المطلق لعقائد الفرقة الناجية ولأوامر السلطان. أما أولاد المرتدين فيجوز استرقاقهم إرهابا للآباء، وقد يتركون لحالهم رحمة بالآباء. وارتداد الصبي غير صحيح، ويظل على عقائد السلطان. أما إسلامه فصحيح أيضا إلا إذا رجع عنه بعد بلوغه فيصير مرتدا. وإن إظهار الصبي الإسلام يفرق بينه وبين أبويه حتى لا يفتناه عن دينه، وإن رجع إلى دين أبويه كان من أهل الجزية وليس من المرتدين. وإذا ارتد الزوجان انفسخ النكاح إن كانت الردة قبل الدخول، ويوقف على العدة إن كانت بعد الدخول، فإن انقضت التوبة قبل الرجوع إلى الإسلام انفسخ النكاح، وإن أسلما قبل العدة بقيا على النكاح الأول. وقد يبقى النكاح إعطاء للأولوية للعشرة التي تجمع بين الزوجين على العقيدة التي تفرق بينهما. وهكذا تصبح الفرقة العقائدية وسيلة لفك أواصر الرباط الاجتماعي، وكأن السلطان هو الأب والزوج لجميع المؤمنين، يشاطرونه عقائده ويمتثلون لأوامره. إنما الغاية من الحكم على المرتد عزله اجتماعيا، فلا تحل ذبيحته ولا نكاحه، ولا دية له، ولا قصاص على قاتله.

37

وكثيرا ما يستعمل قانون الردة حاليا للإرهاب الفكري والسياسي. وهي واقعة لا تعم بها البلوى، وتبلغ ندرتها إلى حد استحالتها. وأين السبي والاسترقاق الآن، ومن الذي يمارسه؟ إنما تقضي الردة الآن الرجوع إلى الوراء وتبني مرحلة سابقة من مراحل سابقة من مراحل الوحي دون مرحلته الأخيرة، حيث يكتمل الوحي وتختتم النبوة، ويعان عن استقلال الإنسان عقلا وإرادة؛ فالردة نكوص وتراجع، في حين أن الإسلام تأكيد لتحقيق الوحي لغايته، تقدم الوعي الإنساني حتى يصل إلى مرحلة الاستقلال. (3) فرق المعارضة

فرق المعارضة في مقابل فرق الأمة هي التي تنشأ من الداخل أساسا قبل أن تنشأ من الخارج، وتعبر عن قوى اجتماعية وسياسية داخلية، ثم تلتحم فيما بعد مع فرق الأمة لتقوية مواقفها وتدعيم عقائدها. وهي على ثلاثة أنواع؛ الأول فرق المعارضة السرية في الداخل التي تقوى على المعارضة العلنية في الداخل أو في الخارج، والتي تعبر عن مجتمع الاضطهاد عن الأقلية المحاصرة من الأغلبية. رفضت المساومة، وعجزت عن استئناف المقاومة بعد أن استشهد أئمتها، فتحولت إلى حركة سرية تحت الأرض تنتظر الفرصة السانحة لمعاودة النشاط العلني واستمرار المقاومة الفعلية. والثاني المعارضة العلنية في الخارج التي تستأنف النضال العلني، ولكن في جماعات منفصلة على هوامش المجتمع وفي محيطه، وليس في وسطه ومركزه، لتقويض مجتمع البغي بالانقضاض على أطرافه من الخارج بدل تقويضه من الداخل، عن طريق إفراغ قلبه وهدم سلطته. والثالث المعارضة العلنية في الداخل، وهي المعارضة المستمرة التي تبغي الدخول في الصراع العقلي أولا؛ فهي مقدمة للصراع الفعلي وشرطه. تعتمد على العقل والحوار، وعلى استعمال الحجج والبراهين. تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علنا بالحق مستوفية شروطه كأصل من أصول الدين، ولا تستعمل إلا السلاح العقلي من أجل تنوير الناس وتثوير الجماهير. فإذا غاب الانفعال والفعل على الفريقين الأولين، فإن العقل والتنوير هما الغالبان على الفريق الثالث. وإذا سهل اتهام الفريقين الأولين بقلب نظام الحكم واستعمال العنف، فإنه يصعب اتهام الفريق الثالث لأنه يجهر بالحق ولا يخفي شيئا، ويدعو إلى إعمال العقل ويطلب البرهان، ولا يتسلح إلا بحرية الفكر الذي لا يعيش القهر والبغي إلا في غيابه؛ لذلك كان الهجوم الأكبر من فريق السلطان على المعارضة العلنية في الداخل؛ فالأولى يسهل حصارها عقائديا لمغالاتها في تصوير العقائد وقيامها بالنشاط السري، والثانية يسهل حصارها عمليا لانقضاضها بالسلاح على جماهير الأمة. أما الثالثة فيصعب حصارها نظريا لقوة أصليها، التوحيد والعدل، وعمليا لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح الحكام، وتدعو إلى الشورى علنا والناس شهود، وليس أمام السلطان إلا الإقناع أو الاقتناع.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٢٦