تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

تقول الصابئة بحدوث العالم وإثبات الصانع، وأنه لا يشبه شيئا، ولكن الصانع خلق الفلك حيا ناطقا سميعا بصيرا مريدا مدبرا العالم، والكواكب ملائكة. وهو قول مشابه للتوحيد باستثناء حياة الأفلاك. وما دام الأمر كله تشبيها، قياسا للغائب على الشاهد، فلا فرق بين إسقاط الحياة والسمع والبصر على الوعي الخالص أو على الطبيعة. وهو مشابه لقول الفلاسفة. فلم لا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال دون الجزية ويقبل من الصابئة الجزية؟ وإن عدم الوصف بصفات الإثبات أفضل من الوقوع في التشبيه، كما أن نفي صفات النقص عنه أقرب إلى التنزيه؛ فلا يقال حي عالم قادر، ولا يقال ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز. وإن الزيادة في عدد الأنبياء لا يخرج عن النبوة؛ وذلك لأن الوحي قص بعض الأنبياء ولم يقصص البعض الآخر. كما أن ممارسة الشعائر مثل الصلاة والصيام كيفا لا تستلزم كما معينا، ولا تتطلب الالتزام بقوانين الطعام أو قواعد الطهارة شكلا خاصا ما دام الاتفاق قد تم على الجوهر والقصد. وقد تكون الأحوال الشخصية أكثر إحكاما، فلا طلاق إلا بحكم ولا جمعا بين امرأتين. إن لم تكن الصابئة قد وجدت في الماضي، فإنها ستوجد في المستقبل برسول من العجم ينزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة ينسخ به الشرائع السابقة، ويعلن الاتفاق بين دين الوحي ودين الطبيعة ودين الأخلاق.

32

والسؤال: هل ما زالت الفرق القديمة موجودة حتى يمكن التعامل معها؟ وإن لم تكن موجودة ولم توجد بعد، فكيف يتم إصدار حكم عليها؟ وهل توجد فرق حاليا ليس لها حكم شرعي حتى يمكن التعامل معها؟ وهل تشير الصابئة إلى فرق تاريخية معينة، أم أنها اختيار نظري من طبيعة العقل لدين الطبيعة؟

أما اليهود فهم أهل كتاب بالرغم من اختلافهم فيما بينهم، وتعدد فرقهم واختلافهم حول توراتهم وشرائعهم وعدد أنبيائهم، وحول النسخ وإثبات اكتمال الوحي ونهاية النبوة. وهناك فرق أخرى أقرب إلى توحيد المسلمين قديما وحديثا، وتشاركهم في أصلي التوحيد والعدل؛ وبالتالي يصعب تكفيرهم في العقليات.

33

أما النصارى فليس كلهم مشركين غير موحدين، وإن كانت الغالبية تقول بالتثليث على اختلاف درجات التركيز حول طبيعة المسيح، إله أو ابن الله أو ثلاثة أقانيم في جوهر واحد، وعلى اختلاف درجات تصور اتحاد الله بالابن بين الاتحاد على الحقيقة، وبين ظهور النقش في الطين والشمع وظهور الشعاع على ما ظهر عليه. وهي أقوال لا تختلف كثيرا عن أقوال الصوفية في الاتحاد بالله، وحلول الله في الإنسان ووحدته في العالم. وهي تصورات نظرية ترفضها فرق أخرى قديما وحديثا تقول بالتوحيد. وتظل الممارسة العملية لبعض الفرق التي تمارس التقوى والفضيلة، وتأتي بالأعمال الصالحة، هي المحك في ولايتها، التزاوج منها وأكل ذبائحها واعتبارها ضمن فرق الأمة.

34

وأخيرا أشكل الأمر في المجوس؛ هل هم أهل كتاب أحدثوا القول بصانعين، أحدهما بخلق الخير والآخر بخلق الشر، ثم رفع كتابهم كما هو الحال في رفع السيد المسيح؟ هل هم ثنوية في الأصل من أصحاب النور والظلمة ودانوا بعبادة النار؟ هل تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، ويكونون كأهل أوثان في الذبائح والنكاح؟ وما دية المجوسي، مساوية لدية المسلم نفسا بنفس، أو لا تساويها لأن المسلم لا يقتل بالذمي؟ وما دية الذمي، نصف دية المسلم أو ثلثها؛ وبالتالي تكون دية المجوسي خمس دية الذمي أو جزءا من خمسة عشر جزءا؟ ألا يساوي إنسان إنسانا آخر في القصاص؟ وهل يتدخل الخلاف العقائدي في قيمة الإنسان، أم أن الغرض من ذلك كله هو تجويز فشل المخالف في الرأي والتخلص منه؟

35 (2-3) حكم من لم يبلغهم الإسلام أو المرتدين عنه

وهذه ليست فرقة بقدر ما هي جماعة لم تبلغها دعوة الإسلام، أو بلغتها ثم ارتدت عنه. الأولى معذورة لأنه لا حكم إلا بعد البلاغ، والثانية لا عذر لها للنكوص والارتداد. وفي كلتا الحالتين تنبع قيمة الإنسان من فكره، ويستمد وجوده من عقيدته؛ فالذين لم تبلغهم دعوة الإسلام إن كانوا وراء السد أو في طرف من أطراف الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام، وكانوا معتقدين لما دل عليه العقل من حدوث العالم وتوحيد الصانع وصفاته، فهم كالمسلمين؛ فالعقل والوحي طريقان يوصلان إلى الحقيقة نفسها، ولكن لما كان الإسلام عقيدة وشريعة يظل السؤال: هل لا بد لهم من شريعة؟ لو بلغتهم دعوة الإسلام فإنهم يدعون إلى أحكام الشريعة. فإن امتنعوا عن قبولها ولم يكونوا على شرع أهل الكتاب، صاروا كالوثنية الذين لا تقبل منهم الجزية. وفي هذه الحالة ألا تشفع لهم معارفهم النظرية، خاصة إذا ما أدت إلى السلوك الفاضل والعمل الصالح؟ ألا تكفي شريعة العقل العملية، شريعة الطبيعة والفطرة، وهو الإسلام الطبيعي؟ وإن كانوا أهل كتاب ولم تبلغهم دعوة الإسلام، ثم امتنعوا عن قبوله بعد إبلاغهم، صاروا مثل أهل الجزية، ولا يجوز قتلهم قبل دعوتهم إلى الإسلام وإقامة الحجة عليهم، فلا عقيدة بلا حجة. ولكن ما العمل إذا غلبوا بالحجة، أو إذا لم يقتنعوا بالحجة وأصروا على طلب البرهان؟ وما ديته في حالة القتل؟ أيكون بغير دية ما دام بغير عقيدة، فقيمة الإنسان بعقيدته، أم له دية المسلم، فلا فرق بين إنسان وآخر من حيث قيمته، أو كدية أهل دينه يهوديا كان أم نصرانيا، أو كدية المجوسي إن لم يكن له دين؟

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٢٥