38 (3-1) المعارضة السرية في الداخل
وتشمل كل الفرق التي ظهرت في مجتمع الاضطهاد، يغلب عليها طابع التحول إلى الداخل، والانقلاب إلى الباطن، والمغالاة في الرفض، والتشيع والتحزب لفريق دون فريق.
39
تغلب على عقائدها موضوعات الألوهية والنبوة والإمامة، دون العدل بعد أن كفروا بالعدل في الدنيا، ودون المعاد بعد أن رفضوا العدل في الآخرة. وفي مقابل الاختيار الإنساني يضعون القدر، وفي مقابل العقل يضعون الروح. ويرون الإيمان نفاقا، والعمل تبريرا للظالم. غرض المعارضة السرية في الداخل تقويض الدولة وهدم النظام، والقضاء على السلطة اللاشرعية. فإذا ما اتحدت مصالحها مع إحدى فرق الأمة الحضارية، فإن المؤامرة تتحول إلى نظام الإسلام ذاته من أجل ضياع شوكته، ابتداء من ضياع العقيدة والقضاء على أسباب قوتها. ففي الإلهيات تظهر الثنائية بديلا عن التوحيد؛ ثنائية الله والشيطان، الخير والشر. ومع أن الأول خلق الثاني إلا أنهما معا مدبران للعالم؛ وبالتالي يقضى على الدين الجديد القائم على التوحيد، وتعاد الثنائية القديمة، وتساعد ثنائية الخير والشر فرق المعارضة على مقاومة سلطة البغي؛ لأنها عقائد صراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين المقهور والقاهر، وكما تساعد عقائد التوحيد عند الفرقة الناجية على قهر المعارضة باسم الإله الواحد والسلطان الأوحد. وبالنسبة للنبوات، لما كان تركيز فرقة السلطان على أن المعجزة هي الدليل على صدق النبوة، فقد أنكرت المعجزات الخارقة للعادة من أجل إنكار النبوة وتقوية الأئمة. كما تم إنكار الملائكة من السماء الحاملين للوحي في معرض إنكار النبوة من أجل تقويض مصدر النبوة في الوحي. وتم تأويل الملائكة لحساب المعارضة؛ فجبرائيل وميكائيل وإسرافيل زعماؤها، أما الشياطين فهم مخالفوهم، الأبالسة علماء السلطان.
40
ليس الأنبياء سحرة، بل قادة. هم قوم أحبوا الزعامة، فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبا للزعامة وبدعوى النبوة، ثم استعبدوهم بالشرائع من أجل إبقاء الناس تحت إمرتهم، على عكس الأئمة الذين يأتون لتحرير الناس، لكل نبي دور سبع، إذا انقضت ظهر في دور آخر. يقومون بتأويل الشرائع حتى تخف قبضتها على الناس ويتحررون منها؛ فالصلاة الثناء على الإمام، والزكاة دفع الخمس إليه، والصوم الإمساك عن إفشاء أسرارهم عند مخالفيهم، والزنا إفشاء أسرارهم بغير عهد. وينتهي التأويل إلى إسقاط العبادات والحدود؛ فيباح الخمر، ويباح نكاح ذوات المحارم، ويعود دين المجوس. فإذا كانت الثنائية عقيدة صراع لمجتمع الاضطهاد في مقابل عقيدة التوحيد لمجتمع الغلبة، فإن الإمامة أيضا تكون في مجتمع الاضطهاد ووسيلة تحرر من النبوة كعنصر قهر في مجتمع الغلبة. وإذا كان تطبيق الحدود والشرائع في مجتمع القهر وسيلة للضغط الاجتماعي، فإن تأويل الشرائع في مجتمع الاضطهاد وسيلة للتحرر من الشريعة حتى تسقط نهائيا، ويتحرر الإنسان مع نفسه أولا قبل أن يتحرر من الآخر، وإلى الداخل قبل أن يتحرر إلى الخارج؛ فالإباحة رد فعل طبيعي على الكبت. وإن طبيعة السلوك في المجتمع المغلق هو التحرر في إطار الانغلاق، التحرر المنعكس على الذات كوسيلة لتقويض مجتمع القهر من الداخل.
41
وكان من الطبيعي أن تحكم عليها فرقة السلطان بأنهم مجوس، تؤخذ منهم الجزية، وتحرم ذبائحهم ونكاحهم، أو بأنهم زنادقة تقبل توبتهم إذا جاءوا تائبين، ولا تقبل بعد ضبطهم متلبسين في خلاياهم السرية.
42
وقد تعتمد عقائد أخرى للمقاومة السرية لا على الثنائية المتعارضة بين الخير والشر، بل على الحلول، حلول الله في الإنسان، وحلول الروح في البدن. فنتيجة لإبعاد الله عن العالم يأتي إليه، ونتيجة لإبعاد المظلوم وإنكار حقه فإنه يتأكد بحلول الله فيه. يظل الله حاضرا حتى ولو فني الإنسان، فالحق باق حتى ولو انهزم أنصاره. وكما يحل الله في الإنسان يحل في الكون، ويصبح الله والإنسان والطبيعة شيئا واحدا. هذا الإنسان الذي يحل فيه هو الإنسان المتميز، القائد الزعيم، وهو الإمام الذي يقوم بالتبليغ عن الرسالة ثانية باسم الله إلى الأمة ليمحق الظلم، ويعيد الحق، ويؤسس العدل. فإذا ما حلت الروح في البدن أصبح سلوك الجوارح شرعيا بفعل الروح، فتسقط العبادات والمحرمات والشرائع التي تمارسها وتطلبها فرقة السلطان، وتكون للجماعة السرية شريعتها الخاصة التي تقوم على التحرر الذاتي مع النفس إن استحال التحرر من الآخر في الخارج. وتجوز شهادة الزور على مخالفيهم، بل وخنقهم تقوية لأواصر الجماعة السرية، وتفكيكا لنظام جماعة الغلبة والقهر. كل من عداهم كافر، كافرون الذين لا يناصرون الإمام الحق، وكافر الإمام الحق الذي يترك قتال أعدائه. ونتيجة ذلك كان حكم فرقة السلطان عليهم بالردة، وحكمهم حكم المرتدين.