تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

أما كفرة المنجمين فإنهم يقولون بقدم الأفلاك والكواكب، وبأن حركاتها سبب وقوع الحوادث في العالم. يقول البعض منهم بألوهة الشمس وعبادتها، والبعض الآخر بألوهة الشمس والقمر. الأول سلطان النهار، والثاني سلطان الليل. ويقول فريق ثالث بعبادة الكواكب السبعة مدبرات العالم. ويفضل فريق رابع القول بقدم زحل وحده لأنه أعلاها. كلها فرق جعلت العالم العلوي بين الإلهيات والطبيعيات كخطوة انتقال من الفكر الديني إلى الفكر العلمي. فهل تكفر وتستباح دماؤها؟ ولماذا اعتبرت الصابئة، وهم عبدة الكواكب، مع أهل الكتاب يقبل منهم الجزية ويبقون على عقائدهم؟

23

أما بالنسبة للإلهيات فيكفر الذين عبدوا إنسانا محدودا ، مع أن المسيحية تقول بذلك أيضا بتأليه المسيح، بل وتقول الفرقة الناجية أيضا بتأليه الإنسان الكامل.

24

كما يكفر الذين قالوا بعبادة رأس مخصوصة من رءوس الناس وكتمان الدين على غيرهم. فهل هذا دين؟ وما دام أمره مكتوما على العامة، فلم تعم به البلوى، وليس له دلالة إلا من حيث عبادة الإنسان وتأليهه.

25

ويكفر الذين يقولون بعبادة الملائكة، مع أنها جواهر مفارقة مثل العقل والنفس والله، فلا غرابة أن تكون موضوعا للعبادة، ووضعها كذلك في كل دين وملة، هي أقرب إلى الإناث منها إلى الذكور، وتعكس طبيعة التكوين الاجتماعي ووضع المرأة في تفضيل الذكور على الإناث. وفي النهاية هي فرق تاريخية صرفة لم يعد لها وجود، ولكن يظل سلاح التكفير مشهورا ضدها إلى حد القتال منعا للخروج على عقائدها الفرقة الناجية؛ وبالتالي منعا للخروج على السلطان.

26

أما الحلولية فإنها تقول بعبادة كل صورة حسنة لأن الله حل فيها، أو بحلول الله في الأنبياء ثم في الأئمة.

27

وهي أقرب إلى الرومانسية الأدبية التي توجد في مجتمع الاضطهاد من أجل رفع العالم بعد سقوطه، وتثبت الزعماء بعد استشهادهم أو اختفائهم. ومثلها التناسخية التي تقول بانتقال الأرواح في الأجساد ثوابا وعقابا.

28

وبالنسبة للسمعيات تكفر البراهمة بالرغم من إقرارهم بحدوث العالم وتوحيد صانعه وعدله وحكمته؛ لأنهم أنكروا النبوات والشرائع، وأثبتوا تكليف المعرفة من وجهة خواطر العقول؛ فقد كلف الله العباد بأن يعرفوه بعقولهم، وأن يشكروه على نعمه، وألا يظلم بعضهم بعضا. وحرموا ذبح البهائم وإيلامها بلا ذنب. وإيلام الله لها في الدنيا لأجل عوضها في الآخرة. فأين الكفر في ذلك؟ ألا يتفق ذلك مع اكتمال الوحي وانتهاء النبوة، واكتمال الوعي الإنساني باستقلال العقل والإرادة؟ وما العيب في قانون الاستحقاق، وأنه لا ذنب دون استحقاق إلا بعوض؟ وما المانع من نظرة إنسانية عامة ترفع الحيوان من حيث هو روح إلى مستوى الإنسان؟ أليست البراهمة أولى بالاعتبار من اليهود والنصارى الذين ينكرون خاتم النبوة؟ وهل يكفر أحد في السمعيات أم أنه لا كفر إلا في العقليات؟

29

أما النظر والعمل فيكفر كل من ينتهي إلى الإباحة. وقد تحدث الإباحة نتيجة للقول بالحلول، فيحدث اطمئنان داخلي لتأييد الروح للبدن؛ أو نتيجة للقول بإلهين والصراع بين النور والظلمة، فإذا ما تغلب النور حدثت الإباحة؛ أو نتيجة للقول بالطبائع، فيصبح الشرعي هو الطبيعي. والإباحة رد فعل طبيعي على النفاق في التمسك بالشريعة في الظاهر وعصيانها في الباطن، ورد على قهر الأوامر، ورد اعتبار إلى ميول الطبيعة التي يتم إثباتها في علم أصول الفقه، كما هو الحال في التوحيد بين المباح أو الحلال وبين الطبيعي وهو ما تمليه الفطرة.

30 (2-2) هل هناك كفرة تقبل منهم الجزية؟

وهؤلاء أقل شرا من الكفرة الذين لا تقبل منهم الجزية؛ إذ يمكنهم أن يتعايشوا مع الأمة، وأن تقبلهم الفرقة الناجية بين ظهرانيها، ولديهم خيار ثالث بين الإسلام والقتال، وهو خيار الجزية حفاظا على عقائدهم، وأمانا للأمة من عداوتهم. وهم أربع فرق؛ الصابئة واليهود والنصارى والمجوس. فهل هذه الفرق الأربع على مستوى واحد؟ هل الصابئة والمجوس مثل اليهود والنصارى؛ وبالتالي تتساوى ديانات خارج الوحي مع ديانات الوحي؟ وهل عبادة الكواكب عند الصابئة، والقول بإلهين عند المجوس، مقبول من الفرقة الناجية؟ ولماذا إذن تكفير الدهرية وأصحاب الطبائع والهيولى والفلاسفة والمنجمين، وهم يقولون بقدم العالم والأفلاك، وهي تشارك الصابئة في عبادة الكواكب؟ ولماذا تكفير من يقول بإلهين والمجوس تقول به؟ وهل الصابئة عبدة أوثان أم عبدة طبيعة؟

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٢٤