ويصل حد التكفير إلى حد تكفير الفرقة الناجية لنفسها وتضليلها لعقائدها، وذلك باعتبار الإيمان مجرد معرفة أو إقرار أو تصديق، وإخراج العمل منه وإرجائه إلى يوم الدين، يكفي أن يكون الإيمان معرفة بالله وخضوعا ومحبة بالقلب بصرف النظر عن الأفعال، ولا تضر مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الإيمان طاعة، وأن إبليس كان مؤمنا لأنه كان عارفا بالله، وكفر فقط لاستكباره ورفضه الخضوع والسجود، ولا يحكم عن إنسان فاسق على الإطلاق، بل أنه فسق في فعل خاص، ولا تهم الوقائع التاريخية كمصداق للإيمان؛ فالإيمان له مضمونه الداخلي وليس الحدث الخارجي، ومحمد كشخص تاريخي، ومكة كمدينة، والكعبة كمكان خارج مضمون الإيمان. الإيمان مكتف بذاته، منعكف على ذاته، لا شأن له بالعالم الخارجي.
88
وواضح من هذا الموقف الرغبة في تبرئة السلطان، وذلك بالفصل بين إيمانه وعمله. تكفيه معرفة الله ومحبته ورجاء أفعاله إلى يوم الدين، يحاسب عليها في الآخرة، ولا تحاسبه الأمة عليها في الدنيا. وقد يكون تكفير الفرقة الناجية للإرجاء نوعا من التعمية والتستر على مواقفها الخاصة المشابهة للإرجاء. (3-4) الحكم والثورة (الإمامة)
أما موضوع الإمامة فيكشف عن المواقف السياسية للفرق، واستعمال الفرقة الناجية سلاح التكفير ضد الخصوم السياسيين؛ فليست الإمامة كلها رجعة وتقية وعصمة وألوهية للإمام، بل هي أيضا أحكام تاريخية تكشف عن اختيار سياسي، ثم نسجت النظرية حوله فيما بعد. وفي شدة الأزمة وفي قلب الفتنة يتم تكفير الجميع حتى الإمام الذي لم يقاتل؛ فاليأس من الحفاظ على وحدة الأمة أدى إلى التشرذم والتقوقع، وتحولت الأمة إلى أمم صغيرة، كل منها على حق، والجميع على باطل. وكان من الطبيعي التمسك بالإمام المظلوم وبأولاده ونسبه زيادة في التمسك به لما تحولت الخلافة إلى ملك عضود؛ فابن الإمام أولى بالحكم من ابن الملك أو الأمر! ولكن لماذا يكون الخلاف السياسي مدعاة للتكفير؟ وهل الصراع على السلطة أمر عقائدي؟ ولماذا تكفير من يجمع بين النص والشورى، أو من يقول بالشورى كما تقول الفرقة الناجية، أو من يقول بالدعوة والخروج قتالا للإمام الظالم، وهو ما تقوله أيضا الفرقة الناجية؟ ولماذا تكفير من يتوقف عن التكفير؟ هل لا بد من إشهار سلاح التكفير في مجتمع ديني حتى يسهل عزله سياسيا، فيتم حصاره بين رفض السلطة له وترك الجماهير له؟ فإذا ما تحولت الإمامية إلى موقف سلفي خالص، فهل ستظل سببا للتكفير؟
89
وفي مجتمع الاضطهاد من الطبيعي أن يحيا الإمام باستمرار في وجدان المضطهدين، وإن غاب فإنه يعود من جديد من عزلته وتقيته ليقود الثورة. وهل يكون للظلم الكلمة الأخيرة؟ وهل يكون الاستسلام للأمر الواقع هو الحل النهائي والسلوك الأمثل؟ هل يموت الإمام ظلما دون أن يستأنف دورة أخرى من القتال؟ لقد عاد المسيح معلما، ولماذا لا يعود الإمام منقذا ومنجيا؟ إن المهدية و«الميشانية» صنوان في تاريخ الأديان بالنسبة لمجتمع الاضطهاد. إن تناسخ الأرواح بين الأئمة يعني الاتصال التاريخي بينهم، ووجود روح في التاريخ وقانون باطني يحكم بانتصار الثورة على الظلم. ليس الأئمة مجرد أفراد منفصلين متقطعي الأوصال. الاتصال أقوى من الانفصال، والتواصل أمضى من الانقطاع. إن حياة الإمام وخلوده لرد فعل طبيعي في مجتمع الاضطهاد على موته ظلما واستشهاده في القتال. كما تدل عصمة الأئمة على مدى ثقة الناس في الزعيم، وعدم جواز الخطأ عليه، في حين أن النبي لا يحتاج إلى ذلك لأنه مؤيد من الله. ولماذا لا يكون الإمام معلما بعد أن ضاع العلم من صدور الناس؟
90
وإذا شهر سلاح التكفير ضد فرق المعارضة السرية من الداخل، فالأولى أن يشهر ضد فرق المعارضة العلنية من الخارج الذين يقاومون السلطان، ويجعلون العمل جزءا لا يتجزأ من الإيمان، ويكفرون مرتكب الكبيرة. وهل كان من يرفض شرط القرشية يكون ضالا؟ إن القرشية شرط حتى لا تخرج الإمامة من قبيلة بعينها، في حين أن شروط الإمامة العلم والعدل والورع، وليس فيها النسب أو الحسب. وإن عدم وجود نصب الإمام لينتج عن إيمان بالفطرة الخيرة دونما حاجة إلى سائس يسوسها، على عكس الفرقة الناجية التي تصر على وجوب الإمامة والطاعة له. وإذا وجبت الحرب فإنها لا تكون إلا ضد عسكر السلطان، ولا تكون الغنيمة إلا من أموالهم. وهي آراء سياسية لا تستوجب الكفر أو الضلال.