تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

91

ويتم أيضا تكفير فرق المعارضة العلنية في الداخل؛ لأنها ترفض تكفير الفرق المتنازعة والدخول كطرف في نزاع تتطاير من أجله الرقاب، فهل رفض التكفير كفر؟ ألا يكفر من قال لأخيه أنت كافر؟ وإن عدم تفسيق أحد الفريقين لهو أقرب إلى لم الشمل وجمع الكلمة مثل عدم تفسيق أحد بعينه. ولا يوجد حل ثالث ممكن في إطار وحدة الأمة، ورفض الدخول في النزاع بين الأطراف، واستمرار نزيف الدم من رقاب المسلمين. وما العيب في الميل إلى مجتمع الاضطهاد، والتعاطف مع آل البيت وتقدير شهدائهم، وبأحقية الإمام المهضوم وفضله، وربما النص عليه لظرف خاص دون أن يكسر ذلك النظرية العامة في الاختيار والبيعة؟ وقد يكون أبلغ رد فعل على عقائد الفرقة الناجية باعتبارها عقائد السلطان هو تكفير كل من لابس السلطان ونافقه وبرر صنعه. ونظرا لأهمية الوحدة في الأمة فإن وقوع الاختلاف بينها يجعل الإمامة صعبا. وهذا حكم واقع وليس حكم فكر، ولكنه يطعن في شرعية الإمام الجائر. ونظرا لشدة التوتر النفسي في الفتنة فقد كان أحد الحلول إنكار الوقائع التاريخية، وجعل الأمر كله أهواء وأغراضا وميولا، وكأن الهوى هو الذي يخلق الواقعة وليس فقط العقيدة. إن التكفير في الفروع وارد، والاجتهاد فيها لا يضل ولا يضلل، وإلا كان الفقهاء كلهم موضع اتهام بالضلال. هناك علم للاختلاف في أصول الفقه أنشئ لذلك الغرض، وهو أولى من علم الفرق واختلافات المتكلمين، وأخف وطأة من الخلاف في العقائد.

92

إن ما يهم الفرقة الناجية هو وجوب نصب الإمام والطاعة له، وتعيين ذلك في التاريخ ابتداء من الخلفاء الأربعة على التفضيل، ثم بداية السقوط والانهيار ، حتى يظل التاريخ مشدودا إلى الوراء نحو هذا النموذج الأول في العقائد وفي الحكم. وإن كان ذلك صحيحا فتجب الثورة على النظم الحالية التي أصبحت ملكا عضودا أو إمارة، أو غلبة معسكر تحت ستار عقائد الفرقة الناجية وبتبرير منها. ولا يكون للسلطان الحكم في الدنيا، بل تكون له أيضا الجنة في الآخرة حتى يطيعه الناس في دينهم ودنياهم. وهل يستوي شهداء الإسلام في معاركه الأولى، ومن أراقوا دماءهم في سبيل الدعوة، مع من آزروها سلما وبيعة ونصرة؟ إن النصرة بالدم أفضل ترتيبا من النصرة بالقلب أو اللسان. وإذا لم يجز تكفير أحد من أهل القبلة فلا يجوز تكفير أحد لآرائه النظرية في العقليات أو في السمعيات، وإن حدث ذلك فإنه يكون ستارا عقائديا لإخفاء العزل السياسي للخصوم. وحكم الفقهاء ليس هو حكم المتكلمين، وعلماء أصول الفقه لا يصدرون أحكاما إلا على الأفعال، في حين يصدر علماء أصول الدين أحكاما على الأقوال.

93

وبالرغم من أن الفرقة الناجية قديما قد تكون هي الفرقة الضالة، وأن تكون الفرق الضالة قديما هي الفرقة الناجية، إلا أن جيلنا يرد الاعتبار إلى الفرق الضالة قديما، ويعيدها إلى حظيرة الأمة بشرعية وعلانية، وينهي عزلها السياسي عن جماهير الأمة.

| ثالثا: هل هناك تكفير شرعي عملي؟

لم يكن التكفير العقائدي النظري إلا وسيلة لتكفير أعظم وأهم، وهو التكفير الشرعي العملي بغية العزل السياسي لفرق المعارضة، ودفاعا عن النظام القائم. تلك طريقة إدارة الصراع السياسي في المجتمعات التي تكون فيها الحجج نقلية اعتمادا على سلطة التراث. ليس الأمر إذن مجرد فرق عقائدية، بل يتجاوزها إلى حقوق الأفراد المدنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك ارتبط علم أصول الدين بعلم أصول الفقه، والعقيدة بالشريعة، والأصول بالفروع. وقد اعتبر هذا الموضوع خارجا عن علم الأصول وأدخل في علم الفروع، مسألة فقهية لا تدخل في علم أصول الدين.

1

وإذا كان موضوع التكفير الشرعي العملي لا دخل للعقل فيه، وإنما يعتمد على الأدلة السمعية وحدها، فكيف يكون موضوعا في علم أصول الدين الذي يعتمد على الأدلة العقلية والسمعية معا، والذي تكون فيه الأدلة العقلية أساس الأدلة السمعية حتى يتحول ظن النقل إلى يقين العقل، على ما هو معروف في نظرية العلم في المقدمات النظرية؟ إن أقصى ما يمكن عمله هو اعتباره من السمعيات، مثل النبوة والمعاد والأسماء والأحكام والإمامة، التي ليس فيها يقين، وتظل ظنية خالصة، ولكن تزداد الخطورة أكثر لأن الموضوعات السمعية الأربعة نظرية خالصة لا يترتب عليها كفر شرعي عملي، في حين أن الكفر الشرعي العملي تترتب عليه آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية تؤدي إلى الحصار والعزلة لمن يشهر ضده سلاح التكفير، بل إن معرفة الكافر تأتي من أضعف الروايات، من الأخبار عن حال الآخرة وأمور المعاد، وأنه في النار على التأييد أولا، ثم حكمه في الدنيا ثانيا فيما يتعلق بالقصاص والنكاح وعصمة المال؛ أي فيما يتعلق بحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١١٨