تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

81

وقد تم أيضا تكفير الاتجاهين المتعارضين في الإيمان والعمل، اتجاه الشدة واتجاه اللين،

82

وكأن الهدف هو تكفير كل فرق المعارضة، تجريح سلوكها، سواء أسقطت الشريعة أم قالت بالتوسط فيها، سواء أخذت موقفا متشددا أو أخذت موقفا لينا. فما العيب في القول بضرورة النظر السليم ومعرفة الحلال والحرام كرد فعل على الخلط النظري في الإيمان كأساس معرفي للسلوك؟ ما الخطأ في التركيز على المعرفة كأساس للسلوك في التفرقة بين الإيمان والتكفير؟ أليست معرفة الله ضرورية للإيمان ضرورة الفعل والسلوك؟ وإذا كانت أسماء الله معايير للسلوك، فإن الإيمان يكون معرفة الإنسان بها والكفر جهله بها، ببعضها أو كلها، ومع ذلك يمكن العذر بالجهالة؛ وبالتالي لا يمكن تكفير الفرقة الناجية لذلك إلا إذا كان القصد من التكفير استبعاد المعارضة، والتستر على ذلك بالآراء والمواقف النظرية.

83

أما بالنسبة للعمل، فلماذا يكفر من يأخذ الأمور بالشدة في وقت عز فيه العمل، وعم الجهل والخلط، وازدهر فيه النفاق، وتم التشريع فيه للفسق؟ وما العيب في جعل العمل جزءا متمما للإيمان، فالإيمان بلا عمل فارغ، والعمل بلا إيمان أهوج؟ لقد كان ذلك رد فعل طبيعي على إخراج العمل عن الإيمان، أو اعتبار مرتكب الكبيرة مؤمنا؛ حماية للسلطان، ودفاعا عنه، واتقاء له من مخاطر الثورة ضده. فمرتكب الكبيرة كافر نظرا لأهمية العمل والعمل المؤثر. وقد يصل إلى حد تكفير النبي إذا ما ارتكب الكبيرة. ومع ذلك قد يظل مرتكب الكبيرة وموحدا، وإن كان غير مؤمن، أو يكون كافر نعمة وليس كافر ملة. وفي هذه الحالة لا يمكن للفرقة الناجية تكفيره نظرا لتوحيده.

84

ولما كان الطرفان يلتقيان فقد تتحول الشدة مع الآخر إلى اللين مع الذات؛ الشدة مع مجتمع القهر، واللين مع مجتمع الاضطهاد، فلا حرام إلا ما حرم القرآن. وهذا مظهر من مظاهر التشدد مع الآخر كرد فعل على الاحتكام إلى أهواء الناس. والسكر من الشراب الحلال حلال؛ لأن العبرة بالبداية لا بالنهاية، هذا مظهر من مظاهر اللين مع النفس. وإيقاف الحدود للقاذف والزاني تلبية لمطالب المجتمع المغلق في مواجهة مجتمع القهر، الطهارة في مواجهة النجاسة. وإن الإبقاء على الحدود وعدم التكفير على الإطلاق هو إبقاء على بعض الصلاة بالمجتمع الأم، ومع ذلك يؤدي نظام القرابة والمصاهرة من بين مجتمع القهر وأخذ الزكاة من العبيد إلى تقويته، وإحكام غلقه في مواجهة مجتمع القهر. ويمكن قبول طاعة لا يراد الله بها ما دامت تؤدي إلى صلاح النفس، فالطاعة حسن في ذاته.

85

ومن مظاهر التشدد اعتبار الأطفال كالآباء إيمانا وكفرا في مجتمع القهر. وما المانع أن يتحمل الأطفال المسئولية منذ الصغر مع الكبار، سواء مع الآخر أو مع النفس؟ وقد تجب البراءة من الطفل حتى يدعى إلى الإسلام، ودعاؤه إليه بعد البلوغ.

86

والإمام هو عصب مجتمع الاضطهاد؛ لذلك ارتبط موضوع الإيمان والعمل بموضوع الإمامة؛ فتطبيق الحدود لا يجوز إلا للإمام، فهو السلطة الشرعية فيه في مقابل السلطة اللاشرعية للسلطان الباغي في مجتمع القهر. والأولوية لإيمان الإمام أو كفره نظرا لآثار ذلك على إيمان الناس وكفرهم؛ لذلك يرفض التحكيم بصرف النظر عن مطالبة أنصار الإمام به، فلا تحكيم بين الحق والباطل. ويتم تكفير القعدة عن القتال في صف مجتمع الاضطهاد، فذلك خنوع واستسلام، ومساومة على الحق، وتأييد للظلم. وقد تمارس بعض مظاهر العنف، مثل اغتيال المخالفين، للقضاء على نظام البغي والتسلط. ويدخل الله مع مجتمع الاضطهاد في موالاته ومعاداة مجتمع القهر.

87

والحقيقة أن مشاركة كثير من الفرق الضالة في العقائد نفسها، مثل أصلي التوحيد والعدل، تجعل الفرق الضالة تمثل تيارا رئيسيا في عقائد الأمة، وليس مجرد فرق متفرقة بينها فروق؛ مما يدل على إمكانية التوحيد بينها في عقائد مضادة ضد النسق الحضاري للفرقة الناجية؛ وبالتالي تكون العقائد اثنتين؛ عقائد حكم وعقائد ثورة، عقائد سلطة وعقائد معارضة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١١٦