57
بل إن أية محاولة أيضا لأخذ قدرات أوسع في الاعتبار متشابكة مع القدرة الإنسانية، وذلك مثل قدرات الطبيعة بما فيها من دوافع وموانع يتم أيضا تكفيرها حتى يتم استئثار الله بكل القدرات. وكأن الإيمان لا يصلح إلا بهذا التصور الأحادي المطلق للقدرة. وقد يتولد الفعل من فعلين، وقد تتعلق القدرة بمقدورين أو قادرين، ولا يعني ذلك شركة في القدرة الإلهية، بل اعتراف بالقدرة الإنسانية وتشابكها مع باقي القدرات في الطبيعة، بل قد تتولد الأعراض في الطبيعة من تلقاء ذاتها دونما حاجة إلى قدرة إنسانية أو غيرها، فالطبيعة خالقة تكمن فيها الظواهر ثم تبدو تدريجيا أو بالطفرة.
58
وإذا ما ركزت الفرقة الناجية على الجوانب الغيبية في القدرة، فهل هو كفر من الفرق الضالة أن تركز على الجوانب الحسية، وأن تعتبر القدرة في سلامة البنية وتأثيرها في الطبيعة؟ ليس للإنسان فعل غير الإرادة، وكل ما سوى أفعال الإنسان حادثة بالطبيعة، بل إن الإرادة من الميل الطبيعي في الإنسان وليس خموله، يقظته دون سهوه وغفلته. وهل التركيز على طبائع الأشياء كفر، واللجوء إلى إرادة خارجية قاهرة تفعل ما تشاء كسلطان أعظم لا يرده أحد هو الإيمان؟ بل إن تصور أفعال الله تتم طباعا أقرب إلى الطبيعة الخيرة، حيث تكون إرادة الله تعبيرا عن حريته، لا كارها ولا مكرها؛ ومن ثم كانت حرية الإنسان خلق الله له في العالم، وأمره إياه دون إجباره وقهره، بل تركه لطبيعته الحرة المماثلة لطبيعة الخالق.
59
وهل الإيمان بالضرورة هو إثبات قدرة قادرة على ما لا يكون وعلى ما لا يعلم القادر، ضد حرية الإنسان وضد قانون الطبيعة؟ وهل الغاية من ذلك هي عتبة السلطان الجائر؟ فما أسهل بعد ذلك إذا ما قامت العقيدة بإعداد البناء النفسي للناس على هذا التسليم للإرادة وإنكار فعلها وقدرتها وحريتها، أن تستسلم لإرادة السلطان الجائر والرضوخ لأوامره.
60
وقد انتهى ذلك في العقائد المتأخرة إلى عودة العدل إلى التوحيد بعد أن خرج منه، وتدمير العالم كله، حرية الإنسان وقانون الطبيعة. وأصبح العالم دائرا بين قطبين؛ الأعلى موجب يستغني عن كل ما سواه، والثاني سالب مفتقر كل ما عداه إليه؛ وبالتالي تأسست أنظمة القهر في الذهن وفي النفس على أسس تصورية كونية خالصة قبل أن تتأسس في الواقع كأنظمة سياسية تعتمد على العسكر والجند.
61
التكفير إذن سلاح مشهور ضد الخصوم السياسيين، حتى ولو كانت عقائدهم تشارك عقائد الفرقة الناجية، ولكن تستعمل لحساب المعارضة والثورة، وليس لحساب الخضوع والاستسلام. فإثبات القدر ونفي قدرة الإنسان لو كان ذلك من أجل قدرة الثورة على الظلم، واتباع التكليف الذي هو أصل البقاء، فإنه يكون كفرا. أما إذا أدى إلى الخضوع والتسليم فإنه يكون إيمانا! وإثبات الجبر، والاعتراف بالقضاء والقدر، لو كان الهدف من ذلك الثورة ضد الظلم والانتصار للحق ضد الباطل - وهو ما حاولته الحركات الإصلاحية الحديثة باعتبار أن الإيمان بالقضاء والقدر يولد قوة هائلة على التحرر؛ لأنه يمنع من التردد والإحجام والشك والتذبذب - فإنه يكون كفرا. أما إذا ولد الإيمان بالقضاء والقدر الاستسلام للأمر الواقع، والخضوع للسلطان، فهو لب الإيمان!
62
إن الفرقة الناجية في موضوع خلق الأفعال تعلن عن الإيمان، وهو تحصيل حاصل دون برهان أو إقناع. وإذا كان عمل العقل في التوحيد غالبا ما يكون تحصيل حاصل، إلا أن عمله في خلق الأفعال يقوم على تحليل السلوك الإنساني. وما الفائدة من الدفاع عن حق الله وحقوق الإنسان أولى بالدفاع؟ ألا تؤدي عقائد الفرقة الناجية في موضوع الأفعال إلى تدمير الإنسانية المستقلة، والقضاء على المبادرة الحرة، وإنهاء أية إمكانية للخلق والإبداع؟ ألا ينتهي ذلك إلى تبرير نظم القهر والطغيان، فما أسهل أن يتمثل السلطان دور الله، ثم يزحزحه شيئا فشيئا حتى يتحول إلى سلطان إله، ويتحول الله إلى إله سلطان؟ هل النجاة في الاستسلام للأمر الواقع، وإنهاء أية إمكانية للتغيير في الحاضر أو المستقبل؟ (2-4) العقل الغائي