49
وأيهما أكثر عقلا؛ إجراء النصوص على ظواهرها، أو تفويض معناها، أو تأويلها؟ إن التفسير الحرفي يوقع في التجسيم أو التشبيه، والتفويض تسليم بالعجز وهدم للعلم، لم يبق إلا التأويل حرصا على التنزيه ودفاعا عنه.
50
وهل الصواب مع الفرقة الناجية التي ترفض التأويل وتقبل النصوص على ظواهرها، فتقع في التشبيه وتلحق بالتجسيم، أم مع الفرق الضالة التي تقبل التأويل حرصا على التنزيه؟ أليس العقل أساس نظرية العلم؟ ألا يشمل التفسير الحرفي للأدلة النقلية القطعية للعقل؟ وإن فريقا من الفرقة الناجية لينضم إلى الفرق الهالكة في التأويل إيثارا للتنزيه دفعا للتشبيه.
51
كما يرفض فقهاء الأمة وحماة عقائدها التشبيه، ويبقون على التميز بين المستويات؛ فقياس الغائب على الشاهد يوقع لا محالة في التشبيه، وعلى هذا القياس تقوم عقائد الفرقة الناجية.
52
ومع ذلك فإن كل عقائد الفرقة الناجية في حاجة إلى برهان، هي مجرد تكرار لعقائد الإيمان بالاعتماد على الحجج النقلية دون تأصيل أو تأسيس لعلم الأصول، ولا مفر من الدفاع على التنزيه ولو بأسلوب النفي، كما هو الحال في «آيات السلوب». بالنفي يتم استبعاد مظاهر النقص الإنساني، وبالإثبات يتم استبقاء مظاهر الكمال الإنساني.
53
فالأوصاف والصفات كلاهما في الوصف وليس في الموصوف، في الذات وليست في الموضوع. أما الخبر فإنه لا يتوجه إلى وصف الأشياء مباشرة دون عقل الذات وفهمه له.
54 (2-3) خلق الأفعال
فإذا ما تركنا التوحيد إلى العمل، من الإنسان الكامل (الذات والصفات) إلى الإنسان المتعين (الحرية والعقل)، فما الكفر في القول بخلق الأفعال وإثبات حرية الإنسان، وبأنه قادر على أفعاله مسئول عنها؟
55
وما دام هذا المبدأ قد ثبت، وحرية الإنسان أصبحت واقعا، فما المانع من الاتساق العقائدي واستنباط النتائج من المقدمات حتى يتولد العدل من التوحيد، ويخرج منه خروج الإنسان المتعين من الإنسان الكامل؟ قد يتطلب هذا القول بفناء مقدورات الله دفاعا عن حرية الإنسان.
56
والأمور كلها تشبيه في تشبيه، إنما الخلاف في الصياغات، واختلاف الإحساس بها طبقا للعواطف الدينية . تؤدي حرية الإنسان إلى استحقاقه للمدح أو الذم، وقانون الاستحقاق لا يخرق لأنه نتيجة للحرية. وإذا كان الإنسان خالق أفعاله، وعلى ذلك يتم الاستحقاق، فما المانع القول كإحدى مسلمات التوحيد ومقتضيات العدل بأن الله لا يقدر على ما يقدر عليه الإنسان؟ فالله هو العلم والاتساق والواجب والصدق، أي إنه المبدأ النظري، في حين أن الإنسان هو الفعل والتحقق، أي الواجب العملي. لا تعارض إذن بين الإنسان الكامل والإنسان المتعين، بين المثال والواقع. هذا التفرد للإنسان إنما يتم بخلق الأفعال؛ وبالتالي لا يمكن وأد المولود الجديد باسم الأب الذي منه تولد. إن إرادة الله لفعل الإنسان تعني فقط أنه أمر به أو أخبر عنه، لا أنه فعله وقام به بدلا عنه، وإلا لزاحم الله الإنسان، ولنافس الأب الابن. وكيف يتولد الابن ويمنع عنه الماء والهواء؟ وإذا كان الله لا يقدر على ما أخبر بعدمه أو علم عدمه، في حين أن الإنسان قادر عليه، فليس ذلك تعجيزا لله وإثباتا لقدرة الإنسان الفائقة، بل لأن الله هو التطابق والاتساق؛ تطابق النظر والعمل، اتساق الفكر والوجود، في حين أن في الإنسان هناك توترا بين الاثنين. فالإنسان قادر على أن يفعل ما لا يعرفه بعد، ويعلم ما لم يفعله بعد. هذا هو التمايز بين الإنسان الكامل حيث يتطابق المثال والواقع، وبين الإنسان المتعين حيث يتغايران. ولما كان العقل والصدق متناقضين، وكان الإنسان الكامل هو التطابق والاتساق، فإنه لا حرج من القول بأن الله يقدر على ذلك كله. وخطأ الصياغتين هو افتراض تعارض القدرة والعقل، وكلاهما صفتان متسقتان في الإنسان الكامل. وإن كفر إعطاء الأولوية للعقل على القدرة ليس بأكثر من الكفر الناتج عن إعطاء الأولوية للقدرة على العقل. وإذا كان العقل مداد الاتساق فإنه لا حرج أيضا، زيادة في التأكيد عليه، ورغبة في مزيد من التعين، من القول بأن الله لا يقدر على تعذيب الأطفال والمجانين. وإذا كانت الغاية من الإعجاز التحدي، فما المانع من قبول الإنسان الدخول في هذا التحدي، وجعل الإنسان قادرا على أن يأتي بمثل العمل المعجز؟ وهل التحدي محكوم عليه سلفا بعدم قدرة الإنسان الدخول فيه وقبوله والإتيان بالمثل؟ لو كان الأمر هكذا لما كانت هناك فرصة متكافئة بين الطرفين المتنافسين،