ولا يظهر سلاح التفكير كثيرا في موضوع العقل الغائي، الشق الثاني من أصل العدل في الإنسان المتعين؛ إذ تتفق الفرق جميعا الناجية والضالة في أن للعقل دورا في فهم النقل، وهو أساس نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى، بل يحتاج التشبيه إلى عقل من أجل الأحكام النظرية. ولا غرابة أن يكون أول الخلق حيا حتى يصح منه الاستدلال؛ إذ لا استدلال بلا حياة.
63
وإن تحليل الألفاظ في النقل لا يتم إلا بالعقل، وإلا لكان استعمالا لحجة سلطان بلا برهان. ولا سبيل إلى إحكام الألفاظ المتشابهة، أو إلى تحقيق المجاز، أو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو الاستثناء، إلا بإعمال العقل في اللغة. والألفاظ إما من الوحي أو من الاستعمال أو من العقل؛ فالعقل الذي يشمل الحس والاشتقاق قرينة لفهم النص مع الاصطلاح والعرف. وإن تحليل الترادف والاشتراك والتضاد إنما يتم ذلك كله بالعقل. وإذا كان اللفظ إنما هو وسيلة لحمل المعنى ودال على دلالة، فإن المعنى أو الدلالة لا يمكن فهمها إلا بالعقل.
64
لا سبيل إذن إلا استعمال التأويل؛ فإذا كان التفسير الحرفي يوقع في التجسيم والتشبيه، فإن التأويل الباطني يوقع في تجسيم مضاد، وتشخيص للنص، وتعيين له في واقع نفسي معين. فإذا كان التجسيم والتشبيه يتمان في مجتمع السلطة، فإن التأويل الباطني يتم في مجتمع الاضطهاد. فكل مضطهد يثور على الاضطهاد يكون بيانا للناس، وهو المخاطب بالوحي، وهو الذي يحل روح الإله فيه، ويكون الظالم هو الطاغوت والشيطان.
65
فإذا كان التأويل الحرفي إنما يتبع المتقدمين ويقلد السابقين دون إعمال لقواعد اللغة أو لمصالح الأمة، فإن التأويل العقلي إنما يهدف إلى تنزيه التوحيد وتثبيت العدل. إن الفهم الحرفي للنصوص يؤدي إلى تحويل الصورة الذهنية إلى شيء، والأثر النفسي إلى واقعة مادية، والخيال إلى حس، حتى ولو اصطدم ذلك بالعقل والطبيعة والحرية وخالف المسئولية والقانون والعدل، في حين يبدو أن العقل هو السبيل لفهم حقائق الوحي، وتحويلها من الصورة الذهنية إلى المعنى العقلي، من التشبيه إلى وجه الشبه. التأويل العقلي إذن هو السبيل إلى التنزيه وفهم الوحي، والقضاء على كل أساس مادي أو حسي في التجسيم، والرجوع من الصور الذهنية إلى المعاني العقلية، والانتقال في النهاية من التشبيه إلى التنزيه. العقل هو الوسيلة التي بها يمكن إحكام التشابه في النصوص؛ إذ إن كثيرا منها مجازيا لا يحتوي على فكرة بقدر ما يوحي بصورة فنية الغرض منها التأثير على النفوس؛ فالتأويل ضرورة للتنزيه.
66
فإذا كان العقل أساسا للنقل فمن المستحيل تكفير القول بالواجبات العقلية، أو تبرئة الله عن فعل القبائح، وتنزيهه عن فعل الشرور والآثام، أو الصلاح والأصلح، والغائية والعلية، أو اللطف والألطاف، أو العوض عن الآلام. فما العيب في الإنسان العاقل؟ أليس الحسن والقبح العقليان أفضل من الحسن والقبح الحسيين وأوسع نطاقا وشمولا؟ وما الضرر في العقل الغائي؟ ما العيب في ارتباط أفعال الله بمصلحة الإنسان وتبرئة الله عن الشرور والظلم والقبح؟ وما الضرر في اعتبار الإنسان حرا مسئولا، وأن الخير والشر من فعله بدلا من نسبتهما إلى الله وتدمير حرية الإنسان، أو تبرئة الله واتهام الإنسان؟ وأيهما أفضل في تصور العالم؛ العشوائية أم الغائية، اللامعقول أو العلية؟
67
إن عقائد الفرقة الناجية إنما هي دفاع عن الله، في حين أن عقائد الفرق الهالكة إنما تدافع عن الإنسان. وإلى أي الدفاعين نحن أحوج؟ ويؤدي الدفاع عن الله إلى الدفاع عن السلطان؛ فكلاهما دفاع عن السلطة المطلقة، فتختلط السلطتان، سلطة الله وسلطة السلطان، في أذهان العامة وفي نفوس الجماهير. في هذا التصور لا وجود لقانون معروف مطلق وشامل، بل يوجد قانون مشخص بإرادة السلطان. لا وجود للغائية والقصدية، لا وجود للمراجعة والتظلم، أو الرقابة والسيطرة الشعبية، لا وجود للعدل كمقولة بعد أن ابتلعها التوحيد من جديد، وأصبح مسيطرا على كل شيء. لا وجود للثورة على الظلم بعد أن أصبح كل واقع في العالم عدلا.