تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعويضا عن سلطان الدنيا وملك الأرض يكون الإنسان الإله ملكا على رأسه تاج، فإذا ما تكلم فإن التاج يقع من على رأسه من هيبة الكلام وقوة الصوت. الخير والشر نور وظلمة كونيان. تعبر لغة الملوك والتيجان عن الإمامة الضائعة والملك المفقود والحكم المغصوب. وهو على صورة إنسان؛ إذ إن الإنسان الضائع يتحول إلى إله عليه وفرة سوداء كالحصان العربي، وما يتصف به من قيم جمالية. النصف الأعلى مجوف حتى يمتلئ بالعلم والمعرفة. والمجوف أكثر شفافية من المصمت، وإن كانت المصمت أكثر صلابة. للأجوف رنين وصوت، وللمصمت سكون وموت. وهو مماس للعرش، لا وجود لمسافة بينهما تدل على عدم تطابق أو عدم تناسب؛ مثالا للعظمة والإحكام. تحمله الملائكة وهو أقوى منها، مثل الكركي تحمله رجلاه، تصويرا أقرب للناس وأقل تجريدا. له لون وطعم ورائحة، له مذاق، وليس كالماء، أو الإله المجرد، أو الطعم المائع الذي يصيب الإنسان بالقيء والغثيان. تنبع الحكمة من قلبه؛ مما يدل على العلم الضروري الفطري المغروز في النفس، وفي الوقت نفسه علم تجريبي بناء على خبرة العالم ومعرفة البشر وعرك الحياة. وبقدر ما يكون العلم باطنيا داخليا يكون أيضا تجريبيا خارجيا يتغير طبقا للأحداث، فتبدو أشياء ثم تتغير المعارف طبقا لتطور الواقع وتغير الأحداث، ويتم ذلك خارج الخطأ والصواب؛ فالمعرفة كشف للشيء، وما دام الشيء يتغير فالمعرفة كذلك، وهذا ما بدا في النسخ. وذلك تعليم للبشر للجمع بين العلمين القبلي والبعدي، الفطري والكسبي ، الضروري والنظري، الحدسي والاستدلالي.

44

لا فرق إذن بين القول بحدوث الصفات أو نفيها والقول بالتجسيم، كلاهما كفر.

45

ولكن هل التشبيه هو الإيمان؟ هل إثبات الصفات وقدمها هو الرأي الصائب، وما دونه هو الضلال؟ وما الفرق بين تشبيه الله بالإنسان وبأن يكون له وجه ويد وعين، وبين تجسيم الله في صورة إنسان يقوم ويقعد ويتحرك، والأمر في كلتا الحالتين يتجاوز اللغة والصورة الفنية إلى الشيء نفسه؟ وما الفرق بين تصور التجسيم لله على أنه جسم، وتصور التشبيه له على أنه جسم حي، لحم ودم وعظم؟ وهل السبب في استثناء الفرج واللحية نفاق السلاطين وتربية لحاهم، ثم فسادهم وانحلالهم وإطلاق العنان لفروجهم؟ إن الفرق بين التجسيم والتشبيه ليس فرقا في النوع، بل هو فقط في الدرجة. التجسيم أكثر صراحة من التشبيه، والتشبيه أكثر خوفا. كلاهما يقوم على تصورات الملأ والمحاذاة والبعد والتناهي والجهة والتحت والفوق والعلو والسفل.

46

ما الفرق بين إثبات نزول الله وصعوده إلى السماء الدنيا في التشبيه، وبين القيام والقعود والحركة في التأليه والتجسيم؟ وأيهما أكثر تنزيها لله، إثبات الأعضاء لله أم تأويل النصوص، فيكون الاستواء هو الاستيلاء، والقدرة والاحتواء، وأن يكون الوجه هو الحضور، واليد المقدرة، ويكون العين والسمع والبصر هو العلم، والجنب بمعنى الأمر، والفوق بمعنى العلو والتعالي؟ هل المطلوب المحافظة على المعاني الحرفية للنصوص والوقوع في التشبيه، أم تأويل النصوص حفاظا على التنزيه؟

47

أيهما أفضل؛ التفسير الحرفي للنصوص والوقوع في التشبيه، أم التأويل العقلي لها حرصا على التنزيه؟ وما الحكمة في تصوير اليد والقبضة كيد فعلية إلا الرغبة في البطش؟ وأيهما أفضل؛ الشيئية المادية المشخصة لله، أم النظرة الإنسانية العامة العقلية له؟ وأيهما أفضل؛ أن يكون لله وجه وعينان وشفتان وأذنان ووجنتان وأنف وجبهة وذقن، أم يكون له ما هو بمثابة الحضور والذات والنفس؟

48

وأيهما أفضل؛ أن يوصف الله بأنه «فوق» عباده حقيقة في المكان، أم أنه المستولي عليهم والأعلى منهم؟ وأيهم أكثر تنزيها؛ وصف الله بأنه متين، أي تخين جسما، أم أنه قوي؟ وأيهما أكثر فهما ؛ وصف الله بأنه شديد بمعنى القوة العضلية، أم بمعنى أن حكمه نافذ؟

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٠٩