38
أما باقي الصفات السبع فإن نفيها أو تأويلها إنما كان حرصا على التنزيه؛ فالعلم ذاته والسمع والبصر إنما هي وسائل للعلم، وليست صفات مستقلة، والقدرة والإرادة ليستا في محل، والحياة ضد الآفات، والكلام مخلوق حتى لا يوصف الصوت والحرف بالقدم. أليس ذلك كله دفاعا عن التنزيه وحرصا من مخاطر التشبيه؟ إن اعتبار الكلام مخلوقا محدثا إنما كان غرضه تنزيه الله عن الحدوث، وإثبات الفعل الإنساني والفهم الإنساني، وتحقيق الإنسان بعلمه للوحي في التاريخ. لقد أرسل الوحي للإنسان وليس لله، وفهمه الإنسان بعلمه، وعبر عنه بلغته، وقرأه بصوته؛ وبالتالي يكون كلام الله هو كلام الإنسان المفهوم والمقروء والمكتوب والمتحقق. أما اعتبار الإرادة حادثة لا في محل، فإن الغرض منه نفي المكانية عنها كما نفيت من قبل عن الذات، ومن أجل إنقاذ الحرية الإنسانية.
39
أما الأسماء فإنه لا يجوز إطلاقها على الله نظرا لما توحي به أيضا من تشبيه يقوم على قياس الغائب على الشاهد.
40
إن الأوصاف والصفات والأسماء كلها إنما هي تدل على الحياة الكاملة بلا آفات أو نقص، تعبر عن الإنسان الكامل باعتباره وعيا خالصا ومتحققا في العالم. (2-2) الوعي المتعين (الصفات)
وكما يتم تكفير أصلي التوحيد والعدل، فإنه يتم أيضا تكفير القول بالتأليه والتجسيم.
41
وكما يرتبط التوحيد بالعدل وحق الإنسان في أن يكون حرا وعاقلا، يرتبط التوحيد أيضا بالإمامة نتيجة للقول بألوهية الأئمة. وبالرغم من وجود أنماط سابقة في الديانات القديمة لتأليه الإنسان أو الطبيعة، كما هو الحال في اليهودية والمسيحية، أو في الديانات الشرقية في فارس والهند والصين، وبالرغم مما قد يكون وراء ذلك من نيات ومقاصد لإفساد العقيدة الجديدة، وبث الفرقة، وضياع القوة، والتشويش على التوحيد، فإن تأليه الإنسان أو الطبيعة إنما يخضع لظروف نفسية واجتماعية وسياسية محلية. ففي مجتمع الاضطهاد تسود العواطف والانفعالات العقل والرؤية، وتتشخص الألوهية في الإمام المنقذ المخلص، ويظهر حالا في كل شيء، في الإنسان وفي الطبيعة، في النفس وفي العالم. يتحول ظلم الإمام واستشهاده إلى نصره، ويؤدي النقيض إلى النقيض، وينقلب السلب إلى الإيجاب، من لا شيء إلى كل شيء، من النقص إلى العظمة، من العجز إلى القوة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الإنكار إلى الإثبات. يحل الله في الإمام بعد أن رفض البشر الاعتراف به والانقياد به. وهو حي لم يقتل؛ فالحق باق لا يموت، وكل من اتصل به من ذرية أو أصحاب أو جماعة فإنه يكون مثله.
42
وكما أن الله والإنسان شيء واحد، فكذلك الله والطبيعة شيء واحد، لا فرق بين الخالق والمخلوق في أسطورة الخلق حتى يكون الله قريبا من الطبيعة، وتكون هي قريبة من الله؛ فالتركيز على الروح يحيلها إلى روح شامل يضم الطبيعة، وصاحب الهدف يرى غايته في كل شيء. والخلق يكون من طبيعة الخالق، نورا في مقابل الظلمة، حقا في مواجهة باطل. كل مظاهر الطبيعة صفات له وآثار لقدرته، السحاب والريح والرعد والبرق. يتم الخلق بالكلمة وليس بالإرادة، كلمة الحق في مقابل كلمة النفاق. ويتم الكلام بالاسم الأعظم، وليس باسم الملوك والأمراء والسلاطين. فرض الخلق على غيره لأن غيره هو الخلق، وهو ذاته. الله يخلق من ذاته إلها يكون هو نفسه مثل المسيح.
43
والله جسم، موجود واقع مرئي، وذلك أن ضياع الواقع والأرض والدولة يتحول إلى وجود جسمي ملموس حق، فيكون الله جسما. الإمساك بشيء بدلا من فقده، والتمسك بشيء بدلا من تلاشيه. والجسم مكان تتلاقى فيه الأبعاد وليس مسطحا، له عمق فيبعد عن السطحية. يتكون من نور، أو نظائر مشعة، أو معادن معتمة؛ نظرا لاجتماع النور والظلمة في الجسم. إله يلمس ويمسك به تعبيرا عن رغبة الإنسان في الإمساك بالضائع والتمسك بالمفقود. يقوم ويقعد، يتحرك ويسكن، وليس موتا وثباتا. ما زال النشاط موجودا فيه تعبيرا عن الرغبة في المقاومة، واستمرار حياة النضال في مجتمع الاضطهاد؛ فالإرادة حركة، والحركة إرادة.