تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

إن الخلق له معان كثيرة، وليس أحدها بأولى من الآخر أو أكثر منه. كلها تصورات طبقا لمدى الإحساس بالتنزيه، ولاستقلال الطبيعة، وإثبات الحرية الإنسانية. فقد يعني الخلق التقدير المسبق ونشأة الكون كله بناء على قدر سابق. حينئذ تتم التضحية بالحرية الإنسانية التي لا تخضع لأي قدر مسبق، بل تعبر عن الإمكانيات البشرية الخالصة. الخلق بهذا المعنى قضاء على فعل الإنسان وفعل الطبيعة معا، ويوحي بأن هذا العالم لا يفعل فيه إلا من هو أقوى منه، وأن الإنسان لا يستطيع أمامه شيئا. يقف عاجزا لا يفعل إلا ما قد قرره القدر المسبق، وفي الوقت نفسه لا ينشأ العلم الذي يهدف إلى السيطرة على الطبيعة ما دامت خارج كل سيطرة إنسانية.

16

وقد يعني الخلق إثبات قدرة قديمة أمام كسب الإنسان بقدرة حادثة من أجل إنقاذ الحرية الإنسانية داخل تصور عام للخلق. وهذا إرجاع للخلق إلى مشكلة القدرة بين القدم والحدوث.

17

وقد يعني الخلق إثبات قدرة مطلقة مسيطرة على الطبيعة، والقضاء التام على استقلال ظواهرها، وسلب أية قوة كامنة فيها، في طبائع الأجسام، وأن إثبات الله فاعلا للطبيعة ومجعلا لها قضاء عليها وعلى استقلالها.

18

وقد يعني الخلق الفعل لا بآلة.

19

وهنا يتميز الخلق الإلهي عن الخلق الإنساني الذي يحتاج إلى آلة الخلق، وجود من وجود بلا توسط آلة، وإلا كان صنعا. ولكن يظل التصور الإنساني هو أساس التصور الإلهي للخلق عن طريق القلب. وقد يتحول الخلق إلى تجسيم مادي مشخص بتحول الخالق إلى صانع، والمخلوق إلى مصنوع.

20

ولا يفترق تصور الفرقة الناجية عن أي تصور ثنائي للعالم وقسمته إلى قديم ومحدث؛ فهي قسمة مادية. القديم لا مادة، والمحدث مادة. والقسمة تتحدد على أساس مادي. ويسهل أن يتحول التصور إلى تجسيم خالص حتى يكون أكثر اتساقا بدل التجسيم المقنع، وهو القول بالقديم الذي يتحدد بنفي المادة الحادثة عنه. ومن أجل رد اعتبار المادة، والتي جعلها الخلق سالبة محضة حين سلب عنها كل قوة، فقد تحولت إلى مادة خالقة تشارك الذات المشخصة في فعل الخلق.

21

كما أن هناك تصورات عديدة لكيفية حدوث الخلق، ليس أحدها بأولى من الآخر. هناك الخلق من عدم بفعل الإرادة وبأمر «كن»، وهو خلق للشيء من لا شيء.

22

وقد يحدث الخلق لا بالإرادة وحدها، بل بالإرادة والحركة. فلا تحدث الإرادة والذات ثابتة، بل تتحرك الذات كلها، والحركة هي الإرادة.

23

وقد يحدث الخلق في الذات المشخصة نفسها، فالذات المشخصة محل للحوادث. ولا يحدث الخلق بالإرادة بل بالقول. وكما أن الذات المشخصة باقية، كذلك لا تعدم الحوادث ولا تخلو منه الأجسام. وقد نشأ هذا التصور كرد فعل للتصور الأول الذي يجعل الله خارج العالم ومنفصلا عنه.

24

وقد يحدث الخلق على درجات كما هو معروف عند الحكماء في نظرية الفيض، وتكون بدايته أشرف نقطة، ثم تقل مراتب الشرف كلما هبطنا حتى نصل إلى أقل الدرجات. قد تكون البداية جسما في التجسيم، وقد لا تكون جسما في التنزيه، أو قد تكون أسطورة قائمة على التفسير الحرفي للنصوص.

25

وتتنوع تصورات الخلق إلى درجة نفي الذات المشخصة كلية، ولا يهم بعد ذلك أن يكون قدم العالم حسيا ماديا أو معنويا صوريا من حيث الإمكانية.

26

كل هذه تصورات للخلق ليس أحدها بأولى من الآخر، وكلها تمثل ردود أفعال على بعضها البعض، بما في ذلك تصورات الفرقة الناجية التي كانت السبب في حدوث تصورات بديلة عند الفرق الهالكة. لا يكون أحدها أصوب من الآخر، أو أحق بالإيمان وأبعد عن الضلال. وهناك أسئلة نظرية خالصة ناتجة عن التوتر بين التنزيه والتشبيه لا يمكن تكفير أحد فيها؛ فهي كلها آراء نظرية طبقا لدرجة قرب الفكر من التنزيه أو من التشبيه. فإذا كان السؤال: هل خلق الشيء هو الشيء أم غيره؟ فإن جعل الخلق غير الشيء يركز على جانب الفاعل والإرادة، أي من جانب الخالق، في حين أن التوحيد بين الخلق والشيء يجعل الخلق من جانب المخلوق. الرأي الأول يجعل أهم عامل في الخلق هو الفعل الإرادي أو العلة الفاعلة، في حين يركز الرأي الثاني على العلة المادية. التصور الأول يضع تمايزا بين الذات والموضوع، بين الأنا والآخر، في حين أن الثاني يوحد بين الذات والموضوع، بين الأنا والآخر. تتصل الإلهيات بالطبيعيات في الخلق؛ فعندما تطغى الإلهيات الخلق هو الشيء أو يكون الشيء بلا صفة. في التصور الإلهي يطلق للإرادة الحرية في أن تخلق إلى ما لا نهاية، في حين أنه في التصور الطبيعي تتحدد الإرادة بأفعالها وبخلقها المتناهي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٠٥