27
والتصور الطبيعي يقضي على التشخيص، ويرى الخلق في الشيء، والإرادة في الطبيعة، والحياة في المادة، وهو أساس نشأة العلم. والحقيقة أن ذلك ليس تفكيرا في الخلق باعتباره صفة إلهية، بل في الخلق باعتباره عملية إنسانية؛ ثم يحدث التمايز بين الإنسان والله بحجة الأولى أو المفارقة. فإذا كان الخلق هو المخلوق في الإنسان، فإن الخلق يكون مخالفا للمخلوق في الله. وقد يحدث تمايز بين أفعال الخلق، فيكون الخلق هو المخلوق في البداية، ولكن الإعادة غير المعاد في النهاية إثباتا لتطور الخلق وتغايره. فإذا كان الخلق صفة فإنه يصعب بعد ذلك معرفة هل هي صفة للخالق أم صفة للمخلوق، مجرد محاولة للخروج من إشكال قديم عن طريق إلغائه.
28
وتستمر الإشكالات العقلية في كل تصور دون حل، خاصة في التصور الثنائي الأول. فإذا كان الخلق غير المخلوق، فهل يكون الخلق مخلوقا؟ وهنا يكتمل التصور الثنائي بتصور أحادي، فيكون الخلق مخلوقا هروبا من قدم العالم. فكل تصور مكمل للآخر، التغاير والتماثل، الاختلاف والاتفاق. ويدخل بعد الحقيقة والمجاز في التصورات؛ مما يدل على أنها جميعا صيغ إنشائية، وليست أحكاما على واقع، وإنما جميعا تقوم على قياس الغائب على الشاهد.
29
والعجيب أن الفرقة الناجية اختارت تصورا دون آخر على أنه التصور الحق، وهو أن خلق الشيء هو المخلوق اعتمادا على عدم جواز وجود واسطة بين الخالق والمخلوق؛ وبالتالي تكون أقرب إلى التصور الأحادي الطبيعي. وفي هذه الحالة لا يجوز تكفير المشبهة والمجسمة.
30
وكما لا يجوز تكفير أحد التصورين الإلهي والطبيعي، فإنه لا يجوز أيضا تكفير التصور الإنساني؛ فالخلق صفة إنسانية خالصة، بل إنها أولى صفات الإنسان، وأخص ما يميزه وما يعبر عن حريته. يبدو ذلك عند الفنان الخالق المبدع. ولكن الإنسان نظرا لاغترابه عن العالم وعجزه عن الدخول فيه، نسب إلى الذات المشخصة أفضل ما لديه، وتعبد صفة الخلق بدلا من ممارسته. أما العالم فإنه ينشأ في الشعور لحظة الوعي به؛ فقد لا يكون العالم موجودا على الإطلاق عندما يكون خارج الشعور، وقد يكون موجودا في إنسان لأنه نشأ في شعوره، وغير موجود بالنسبة إلى إنسان آخر لم يعه بعد. ليست النشأة إذن مادية كونية، فذاك موضوع علم نشأة الكون، بل نشأته في الشعور. السؤال عن النشأة الكونية نظرة مادية خالصة، في حين أن النشأة الشعورية نظرة إنسانية مثالية. الأولى ادعاء وغرور، والثانية تصف الواقع على ما هو عليه. (2) هل هناك تكفير في العقليات (الإلهيات)؟
تبدأ العقليات في علم العقائد بالأدلة على وجود الوعي الخالص (الله)، ثم بوصفه بأوصاف ستة ثم بصفات سبع، فهل هناك تكفير فيها؟ هل هناك رأي واحد صائب ناج بينما تكون الآراء كلها ضالة هالكة؟ فإذا كانت الأدلة كلها تبدأ من العالم، ومن تحليل الطبيعة ابتداء من نظرية الجوهر والأعراض، فما وجه الكفر في القول بأن الأعراض لا تدل على الباري؛ إذ كيف يدل الأدنى على الأعلى؟ وكيف تستعمل الأعراض للدلالة على الأجسام؟ وكيف تستعمل الطبيعيات كمقدمة للإلهيات؛ وبالتالي ربط الثوابت بالمتغيرات؟ بل إن رأي الفرقة الناجية بالإجماع على حدوث العالم ووجود الباري فيه تدمير للعالم لإثبات الله، وكأن الأعلى لا يثبت إلا بعد فناء الأدنى. وإذا كان النظر الصحيح هو المفضي إلى العلم بحدث العالم، فالعلم بحدث العالم ما هو إلا مقدمة لإثبات القديم؛ أي إنه النظر المفضي إلى الإلهيات عن طريق إثبات حدث العالم.
31
وهل يمكن البدء بالطبيعة والانتهاء منها إلى ماهيتها عن طريق الذهاب من الدليل إلى المدلول، ومن الآية إلى معناها؟ يتضمن العقل أوليات أو مقدمات هي التي تؤدي إلى التوحيد؛ فعلم التوحيد يقوم أساسا على نظرية في أوائل العقول وبداهاته. ليس التوحيد تشخيصا أو تجسيما أو تشبيها، بل هو بناء عقلي يقوم على مجموعة من المسلمات البديهية. التوحيد مجموعة من الحقائق الأولية تنشأ من طبيعة العقل، أو هو بناء أولي للعقل.