11
عند المعارضة جواز وجود الحاكم من غير محكوم، وضرورة وجود مظاهر الحياة الحسية؛ وعند السلطة لأن الله قادر على كل شيء، حتى على فعل المتناقضات، فلا يصمد أمامه قانون عقل أو طبيعة. أما اعتبار المعدوم شيئا، وبالتالي يكون له جوهر وعرض، فربما للتأكيد على وجود العدم، بل نفيه وإنكاره، وحتى يصمد العدم كطرف مقابل للوجود، وحتى يتساوى الطرفان، ولا يكون الوجود إيجابا والعدم سلبا مطلقا.
12
وما المانع من دراسة الأفعال الإنسانية دراسة طبيعية من خلال مفهومي الجوهر والأعراض؛ وبالتالي تتساوى الأعراض فيما بينها كأعراض لجوهر واحد وإن لم تتساو من حيث الحكم النظري؟ فالإيمان علم، والجهل كفر، وكلاهما أعراض للفعل أو للنظر من حيث هو جوهر. والأهم من ذلك كله هو تكفير نظريات الكمون والطفرة والخلق المستمر والتقدم والتأخر والظهور في الطبيعة.
13
ما العيب في أن يكون الخلق قد تم دفعة واحدة، ثم يستمر الخلق من تلقاء نفسه، فتظهر الصفات الكامنة فيه؟ وما الحاجة إلى الخلق المتقطع من الخارج، كل شيء في حاجة إلى خلق؟ ولماذا يكون الخلق المستمر نظرية هالكة، والخلق المتقطع نظرية ناجية؟ وأيهما أكثر تنزيها لله، ورعاية لمصالح العباد، وأكثر اتفاقا مع العقل والعلم؟ وما العيب في الطفرة التي تشير إلى الخلق الإلهي في الطبيعة، وتجعل الكيف مخترقا للكم، وتضع الحرية ليس في الإنسان فقط بل في الطبيعة كذلك؟ وما الكفر في القول بأن الجنة والنار لم تخلقا بعد طالما أنه لا توجد حاجة الآن لهما، أو أنهما كامنان في الوجود وسيظهران بالخلق المستمر ؟ وما الكفر في القول بأن الله خلق الأجسام، ثم تظهر الأعراض في الأجسام بعد كونها فيها بفعل الخلق المستمر؟ هل كل فعل لا بد وأن يأتي من الخارج وليس من الداخل، وكأن كل ما يحدث في الكون إنما يقع بفعل إرادة خارجية، وليس بفعل إرادة ذاتية؟ وما المانع أن تجذب النار أهلها بنفسها دون أن يدفعهم أحد فيها، وكأن كل شيء يتحرك بطبيعته نحو غايته؛ فغاية النار إحراق من يستحقها، ونهاية من يستحقها الوقوع في النار؟ ولماذا تكون نظرية الجزء الذي لا يتجزأ التي رفضها الفقهاء هي النظرية الناجية، في حين تكون نظريات الطفرة والكمون والظهور هي النظريات الهالكة؟ إن القول بالطفرة والكمون والظهور ما هو إلا رد فعل على القول بالجزء الذي لا يتجزأ، ورد الاعتبار الكيفي الحيوي للطبيعة بعد سقوطها في التصور الكمي الآلي. إن المذهب الطبيعي الذي يظنه الناس دعامة الإلحاد القائم على العلم الطبيعي هو عند الطبائعيين أنفسهم دفاع عن التوحيد ضد المشبهة والمجسمة، وإبقاء على الحسنيين معا، الدنيا والآخرة، العلم والدين، الطبيعة والله، دون التضحية بأحدهما من أجل إثبات وحدانية الآخر. وإن اتهام مذهب الطبائع بالإلحاد لهو حكم من السلطتين السياسية والدينية قائم على تصور وحدانية الله بمعنى وحدانية الحاكم، وإنكار استقلال الطبيعة والإرادة الذاتية للشعوب.
14
إن الخلق من عدم الذي يظنه الناس تعبيرا عن الإيمان هو في الحقيقة إفراز السلطتين السياسية والدينية للتعبير عن المزايدة في الإيمان، والتملق لشعور العامة، وإيقاع لها في السحر بهدف إثارة الإعجاب وسحر اللب والخيال؛ وبالتالي فإن عقيدة الفرقة الناجية ليست بأقرب إلى الإيمان من عقائد الفرق الضالة. إن الرغبة في التعظيم والمغالاة لتؤدي إلى عكس المقصود؛ فمثلا جواز الاقتصار على خلق السموات مغالاة في التعظيم؛ لأن الإرادة المشخصة قادرة على كل شيء، ولكنه إنكار في الوقت نفسه للعناية واصطدام بالحكمة، وهما من صفات الذات المشخصة كالإرادة تماما، بالإضافة إلى أنه رفض لتكوين العلم وبنائه وتدمير للحياة فيه، وكأن الحياة كان يمكن أن تكون على غير ما هي عليه ، وافتراض عالم آخر ممكن مخالف لهذا العالم الواقع، واستبدال التمني بما هو موجود بالفعل، وإنكار لواقعية العالم، وافتراض عالم آخر لا وجود له إلا تعبيرا عن قدرة مشخص يغالي في تعظيمها إلى حد تدمير كل ما سواها. وإن افتراض وجود أجسام لا ترى لا من حيث الوجود ذاته، بل من حيث إمكان رؤيته، هو افتراض وجود علم خارج نطاق المعرفة الإنسانية. وإن افتراض عالم متوهم هو هدم وإنكار لعالم الواقع. وإذا قويت الرؤية بوسيلة ما، وإذا استطاعت العين أن تمد بصرها من الداخل أو من الخارج، فيمكنها أن ترى الأجسام. يمكن رؤية باطن الأجسام الشفافة بنفاذ الشعاع، كما يمكن رؤية باطن الأجسام المعتمة باستعمال المناظر المكبرة. الرؤية ممكنة ما دامت الأجسام موجودة، فإذا لم توجد الأجسام تستحيل الرؤية. وإذا وجدت عين تتوافر فيها شروط الرؤية تكون الرؤية ممكنة.