تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51

مع أن المحافظة على الحياة أساس الشرع.

52

إن عدم الالتفات إلى الأسباب المباشرة للموت جهل بالأوضاع الاجتماعية وعدم حرمة لحياة الناس وتعمية وتغطية على حوادث الطرقات وأسلاك الكهرباء العارية والبالوعات المفتوحة والمنازل الآيلة للسقوط والبنايات الهشة رغبة في الربح وسرقة للأموال، والأغذية الفاسدة والأمراض العضالة، والقتل من أجل السرقة والفقر والجوع، والحروب العدوانية، ويستعمل «لكل أجل كتاب» في الدين الشعبي لتبرير كل شيء للسلوى ولدفع الأحزان، ولماذا تفريغ الغضب؟ أليست مسئولية الحاكم في المدينة أن يسوي الطريق لبغلته حتى لا تعثر في الطرق؟ فما بال أمم بأكملها تتعثر بأيدي الحكام قبل أن تكون بأيدي الأعداء؟ وما الفائدة من إعطاء الله الحق النظري لإطالة العمر ثم لا يطيله بالفعل؟ ما الفائدة من نية لا تتحقق في فعل أو قدرة لا تخرج في قرار؟ ولماذا لا يعيش الإنسان أكثر حتى ينتج أكثر ويعلم أكثر ويحقق الرسالة في مراحل أخرى؟ ولماذا الدفاع عن الموت وعن القتل والقاتل؟ ولماذا لا يبقى طول العمر وإطالة الحياة؟ وإن فن العيش كله في إطالة الحياة ومحاربة الأمراض وتقوية البدن واكتشاف العقاقير، وكثيرا ما صاغ الشعراء والفنانون شعر الحياة وفن الحياة وحب الحياة، ونحن نقدس الموت والمرض، فيموت الإنسان رغم أنفه ويلاقي حتفه، فنتمنى العدم أكثر مما نعشق الوجود.

53

إن رفض الموت قتلا على الأقل يبقي على الحياة كقيمة، ولماذا لا يتمنى الإنسان حياة أكبر دون موت يقضي على رسالته؟ قد يقبل الإنسان على الموت اختيارا لا رغما عنه حتف أنفه لإكمال الرسالة، قد يموت الإنسان شهيدا باختياره وليس رغما عنه، تضحية بحياته وليس رغما عنه للقاء حتفه مدفوعا إليه دفعا، وهل القتل فردي أم جماعي؟ هل قتل الشعوب المناضلة من أجل حرياتها والثائرة من أجل تحررها موت بآجالها أم أن الله هو الذي قتلها أم أنها ضحت بالملايين في سبيل حريتها؟

لولا أسباب الموت لكان ممكن للإنسان أن يعيش أكثر، ولولا الجوع وحوادث الطريق والأمراض لعاشت كثير من الشعوب، ولقلت نسبة الوفيات وزادت نسبة الأحياء، وبالصحة ترتفع نسبة المعمرين، المقتول غير ميت لأن الموت من الله أو من القاتل وكان يمكنه أن يحيا، المقتول مقطوع عليه أجله، فوجب على القاتل أن يقطع عليه أجله في القصاص، لو لم يقتل الإنسان لما مات في ذلك الوقت، ولا يمكن أن يموت الإنسان بلا قتل، إن معنى أن تزيد الطاعات في العمر أن وفرة الصحة والسعادة تطيل في العمر؛ فالطاعات سبب أول يؤدي إلى أسباب أخرى ثانية مثل الاستيقاظ المبكر للصلاة، وعدم التخمة والصوم، والاطمئنان الداخلي؛ أي الصحة النفسية، أما في أصل الوحي فيتدرج الأجل من الأجل بين الزوجين إلى أجل الدين إلى أجل الفرد في عمره إلى أجل الأمة وحياتها في التاريخ إلى أجل الكون كله وانتهاء الزمان.

54 (2-2) الأرزاق

ليس خلق الأفعال مسألة فلسفية نظرية خالصة، بل يتعداها إلى موضوعات عملية ترتبط بمصالح الناس مثل الرزق والكسب والمال والسوق والأسعار والغنى والفقر، إلا أن موضوع الأرزاق أهم من موضوع الآجال؛ لأن قدرة الإنسان على السيطرة على الحياة والموت محدودة نظرا لتشابك وجوده في عديد من العلاقات البدنية والبيئية والاجتماعية، أما الأرزاق فللإنسان قدرة أعظم للسيطرة عليها، وإذا كانت الآجال، على أكثر تقدير، أقرب إلى الإرادة الإلهية، فإن الأرزاق على أقل تقدير أقرب إلى الأفعال الإنسانية، والعجيب أن يعتبرها القدماء غير مهمة وهي موطن الصلة بين التوحيد والنشاط الاقتصادي، والانتقال من توحيد الذات والصفات والأفعال إلى توحيد الثورة والمجتمع والنشاط الإنساني والإنسان في العالم.

55

ومع ذلك يذكرها القدماء وكأنها من أفعال الله بقضاء الله وقدره! وأن كل المصائب والمحن والشدائد وما يصيب الإنسان من فقر وبؤس وحرمان كلها بتقدير الله وقضائه، وكيف يكون الرزق بقضاء الله وقدره وليس بجهد العباد في إطار النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يوجد فيه الإنسان؟ ولما كانت جماهير الأمة فقيرة وبائسة ومحرومة يضرب بها المثل بالقحط وسوء التغذية والجوع، وتصنف ضمن الشعوب المتخلفة أو العالم الرابع، أي عالم ما تحت خط الفقر، فإن جعل الرزق بقضاء الله وقدره تبرير للفقر والبؤس والحرمان وقبول للضنك وشظف العيش، ولماذا تكون جماهير الأمة ضحية القضاء والقدر ويكون الحكام من محظياته؟ إن ذلك يؤدي لا محالة إلى الإبقاء على الأوضاع القائمة من استغلال وفقر واحتكار وتفاوت شديد بين الطبقات والقضاء على أية إمكانية في التغيير وتحقيق العدالة بين الناس وتطبيق النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للشريعة، وهنا تكون العقيدة ضد الشريعة وليس أصلا لها، وتكون الأوضاع الاجتماعية مناهضة للشريعة والعقيدة معا. والقضية من جديد هي العلة الأولى التي تعلق عليها أخطاء البشر والتي تمثلها الأقلية ضد الأغلبية في مواجهة العلل الثانية التي تعجز الأغلبية حتى عن تمثلها.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٩٥