56
ولتثبيت ذلك إلى الأبد تكتب الأرزاق في «اللوح المحفوظ» الذي لا يمحي فيه شيء؛ فلا يمكن الزيادة في الرزق أو النقصان منه، زيادة رزق الفقير والنقصان من رزق الغني؛ فالله هو الخالق والرازق، وكأن الخلق هو الرزق مع أن الخلق حق الله والرزق حق الإنسان، لله كل شيء وللإنسان بعض الشيء، وبالرغم من أن الله هو الرازق الحق للخلق وأن السلطان هو الرازق بالمجاز للرعية والأمير هو الرازق بالمجاز، إلا أنه ما أسهل التوحيد بين الله والسلطان والأمير، وما أسهل أن تتحول الحقيقة إلى مجاز والمجاز إلى حقيقة، خاصة في نظام يعتمد على حجة النقل والتأويل الحرفي للنصوص، وأن الاستدلال بالنقل على أن الأرزاق مقسومة تمنع الفقير من المطالبة بحقه في مال الغني، فتفسير النص موكول لفقيه السلطان.
فإذا ما كان لجهد الإنسان دور في تحديد رزقه، فإن هذا الجهد لا يظهر في أفعال التقوى أو الفجور، فيزداد رزق التقي ويقل رزق الفاجر، بل في الأفعال الاقتصادية من إنتاج وربح ومشاركة وأجر؛ فالأخلاق في باطن الاقتصاد وليست بديلا عنه، وإن تصور الأخلاق بديلا عن الاقتصاد هو حل للقضية الاجتماعية عن طريق الأخلاق الفردية دون ما تغيير بجوهر النظام الاجتماعي، وإن الإقرار بالظلم لا يكفي للتغير الاجتماعي، فقد ينتج عنه مجرد الندم دون تغير اجتماعي أو ثورة، وإن عدم استيفاء الرزق لا يكون بالضرورة مشروطا بالموت، فهناك من الأحياء ما لا تستوفى أرزاقهم؛ ومن ثم فلا سبيل لهم إلا الموت انتظارا لاستيفاء الرزق!
57
وقد تحول ذلك كله إلى دين شعبي يؤمن به الناس، فقد تحولت عقيدة السلطة إلى عقائد الجماهير بفعل السيطرة على أجهزة الإعلام وتوجيه التربية الدينية في المدارس، وحتى في هذا الاعتراف بالزيادة والنقص في جهد الإنسان، هل الموضوع دراسة علمية للدخول والأجور أم مجرد تمرين عقلي مقلوب لإظهار القدرة الإنسانية في مقابل القدرة الإلهية، كرد فعل على اعتبارها من أفعال الله وليست من أفعال الإنسان نتيجة لعمله وأنماط الإنتاج في مجتمعه وتوزيع الدخل القومي فيه وسياسة الأجور ونوع النظام الاقتصادي؟ وإذا كانت الأرزاق من أفعال الله، فكيف يقتر الرزق على المؤمنين ويبسطه على الكافرين؟ وهل بسطه الرزق لدى المؤمنين وضيقه على الكافرين من الله؟ وهل زيادة رزق المؤمن من ممارسته للشعائر والعبادات وأدائه للصلوات وذهابه مع الحجيج سبع مرات؟ إن الأرزاق أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية لها قوانينها في أحوال المعاش كما يبدو ذلك في أصل الوحي وتنظيمه لسيولة الأموال في المجتمع، ويعتمد القدماء على الحجج النقلية دون العقلية حتى يمكنهم الارتكان إلى حجة السلطة وإبعاد العقل عما يمس الناس ومعاشهم طالما أن فقيه السلطان هو المفسر الأعظم لنصوص الوحي!
وهناك ثلاثة تعريفات للرزق: الأول: الرزق هو الملكية، ورزق الإنسان هو ما يملكه الإنسان؛ ومن ثم لا ترزق البهائم لأنها لا تملك، أما مصدر الملكية فهي إما الحيازة أو الإرث أو المبايعة أو الهبة، وكلها مصادر شرعية! والسؤال الآن: ألا توجد ملكية عن طريق السرقة والاغتصاب؟ وماذا عمن لا يملك؟ أليس له رزق؟ وكيف يأكل ويعيش؟ وماذا عن الملايين المعدمة التي لا تملك شيئا؟ إن تحديد الرزق بالملكية أي بالاستحواذ هو تأكيد على الملكية كمصدر رزق بصرف النظر عن أنماط الإنتاج أو علاقات الإنتاج كطرق للكسب.
58
مع أنه في أصل الشرع لا وجود إلا للملكية العامة، فالله وحده هو المالك، والله وحده هو الوارث، والإنسان مستخلف فيما أودعه الله بين يديه، له حق التصرف والانتفاع والاستثمار وليس له حق الاستغلال أو الاحتكار أو الاكتناز، يبدو أن الأشعرية تنسى أن علم الأصول واحد بشقيه، أصول الدين وأصول الفقه، وتذكر الله عندما يتعلق الأمر بحق الله وتنساه إذا ما تعلق الأمر بحقوق الناس!