تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأجل لغويا هو الوقت، والآجال هي الأوقات، أوقات مخصوصة نحو الحياة والموت، ويتفاوت الوقت أحيانا بين أن يكون وصفا للوجود الإنساني أو وصفا للموجود الطبيعي.

45

ولكن المقصود هنا بالأجل هو الوقت الإنساني أي العمر؛ يعني الأجل إذن الحياة الزمنية والوجود الزماني وليس الوقت الطبيعي زمان الأفلاك وولوج الليل في النهار والنهار في الليل. الزمان توتر وطاقة وجهد وليس حسابا وعددا وحركة طبيعية، ومع ذلك يحاول القدماء عدم تخصيص الزمان بالوجود الإنساني وحده، بل تعميمه على جميع أجناس الموجودات، ربما لإثبات العالم ونهاية الأشياء بنهاية الزمان الطبيعية أو لإثبات قدم الصانع وخلود النفس، وتجديد الوقت في الحقيقة ليس مقولة للأشياء، بل وصف للشعور الداخلي بالزمان، ولماذا إثبات أوقات لا نهاية لها والإنسان متناه في الزمان؟ وقد يفيد الأجل أيضا قضاء الدين للمعسر، وكأن الحياة هي المال، وكأن عمر الإنسان هو قضاء للدين، وكأن انقضاء أجل الدين هو انقضاء العمر، فأداء الدين حياة قبل الأجلين، أجل الدين وأجل الإنسان!

ويحلل القدماء الآجال بطريقتين لتحديد السبب في البداية وهو الموت أو السبب في النهاية وهو انقضاء الأجل، فهل الموت قتلا بالسكين يكون موتا بالأجل أم موتا بالآلة أم موتا بالقتل أو موتا في المقتول أو موتا في القاتل؟ وهنا يسار إلى التولد من جديد لمعرفة سبب القتل؛ الله أم تولد الفعل عن القاتل، وفي هذه الحالة يمكن وصف عملية القتل وصفا طبيعيا جسميا خالصا. فالقتل حز الرقبة، أعراض أي حركات في يد الضارب بالسيف وافتراقات في أجزاء رقبة المضروب اقترب بها عرض آخر وهو الموت، فإن لم يكن بين الحز والموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت، فالاقتران بالعادة، وللموت علل أخرى وأسباب باطنة غير الحز عند القائلين بالعلل إلا إذا انتفت العلل، وهنا يبدو أن الأمر ليس موضوعا طبيعيا صرفا، بل الغاية منه إثبات قدرة خارجية تكون سبب الموت دون ما نظر في حياة الإنسان وسبب الموت المباشر، وهو على هذا النحو هروب من الموضوع وفقد لمدلوله، ويمكن تحليل الموت الطبيعي بدقة وتفصيل أكثر ثم الانتهاء إلى مجموعة من العلل تؤدي إلى علة أولى، وبالتالي ترجع المشكلة إلى أصلها.

46

إن الموت الطبيعي بانقضاء شروط الحياة وتحلل الأجسام، أي الموت العضوي؛ هو من حيث العلم لا من حيث الإنسان والمجتمع والحياة، وحديث حز الرقبة إنما يشير إلى السبب المباشر في المعامل الجنائية مثل أسفكسيا الغرق أو نزيف المخ.

47

وعلى الطرف النقيض من تحديد الأجل بالموت يتم تحديد الأجل بالقضاء والقدر؛ فكل مقتول ميت بأجله، وبالتالي يكون الموت هنا أحد موضوعات الجبر والاختيار قبل أن يكون بداية موضوع آخر بلحظة الموت أو ما بعدها وهو موضوع المعاد.

48

فالمقتول ميت لأجله والأجل واحد، والله خلق الآجال وقدرها.

49

ومن مات رغما عنه، حتف أنفه أو قتل، فقد مات بأجله، وكان يمكن ألا يموت وأن يزيد الله في عمره، ولكن ما دام أجله قد حان يجب عليه الموت، فلكل أجل كتاب، سبب القتل هنا هو سبق العلم وشمول الإرادة، وإن لم يمت بقدر الله مات بغيره حتف أنفه، وبالتالي يتحول الأجل إلى جبر أو إلى موت جبر، ويصبح الموت مطاردا للإنسان كما يصبح طريد الموت أينما يفر منه الإنسان؛ فهو ملاقيه كما في أسطورة أورفيوس عند القدماء، فلا زيادة ولا نقصان في العمر، وإذا كانت الزيادة بركة فهل النقص قلة في البركة؟

50

إن استخدام الأجل والقضاء لتبرير الموت والتعمية عن حوادث الطريق والفقر والاغتيالات وكل الشرور والآثام؛ لهو تعمية عن الحقائق في سبيل مزايدة في الإيمان يرضى عنها السلطان ليتستر وراءها إخفاء للأسباب المباشرة لموت الرعية.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٩٤