تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

ويكون السؤال أصعب عندما يكون: هل يجوز القول: أنا مؤمن «إن شاء الله»؟ هل يجوز الاستثناء في الإيمان؟ هل يمكن أن يقال «أنا مؤمن حقا» في الحال دون الاستقبال؟ إن تعليق الإيمان في الحال أو في الاستقبال هو وقوع في الشك وعدم الثقة بالنفس وربط أفعال الشعور الفردية بأسس خارجية، وبالتالي تضعف القناعات ويحدث التردد في الأفعال، والثقة في التخطيط تجعل الإنسان قادرا على أن يرى المستقبل دون شك أو تردد مع توقع عوامل غير متوقعة قد تحدث أثناء الفعل يقدر الإنسان على احتوائها وإعادة أخذها في الاعتبار. إذا قال الإنسان: «أنا مؤمن إن شاء الله»، ولم يحدث الإيمان في المستقبل يحنث الإنسان بوعده، إذا ما حكم الإنسان على الماضي في فعل الشعور فإنه يقوم دائما بقراءة جديدة للماضي طبقا لتجارب الحاضر، وإذا ما حكم على الحاضر فإنه يكون بناء على معرفة الذات وتحليل النفس، وإذا ما حكم على المستقبل فإنه يكون تعبيرا عن العزيمة وعقد العزم دون الوقوع في التصلب والتخشب وترك الميدان مفتوحا لمزيد من التجارب والخبرة وإعادة النظر والمراجعة من أجل مزيد من الإحكام النظري والدقة العملية في السلوك، صياغة وتحقيقا، إنما يقال ذلك عادة تعبيرا عن إيمان شعبي موروث بالأعراف، وأحيانا يعبر عن العجز عن السيطرة على الجهد لنقص في حسابات المستقبل وضعف في رؤيته، ويتضح ذلك بصورة خاصة في أفعال الشعور في الطبيعة كالتوليد أو أفعال الشعور الاجتماعي كالآجال والأرزاق والأسعار وعدم القدرة على السيطرة عليها في المستقبل.

37

أما المشيئة في أصل الوحي فإنها لا تعني الاستثناء في الإيمان والشك فيه، بل تعني مجرد جعل الفعل الإلهي محتملا ومتوقفا على وضع إنساني نظري أو عملي، فردي أو اجتماعي مستحيل، والمتوقف على المستحيل مستحيل مثله.

38 (2) أفعال الوعي الاجتماعي

تشير أفعال الوعي الاجتماعي إلى ما أورده القدماء في نهاية أصل العدل في موضوعات ثلاث: الآجال والأرزاق والأسعار، سواء في كتب التوحيد الأولى أو في كتب العقائد المتأخرة.

39

ويدخل في موضوع حرية الأفعال بعد أفعال الوعي الفردي؛ لأنها تتعلق بوجود الإنسان وحياته ورزقه ومعاملاته، وظهورها في خاتمة التوليد، أي أفعال الإنسان في الطبيعة، يجعل منها أيضا جزءا من التوليد، ولكن هذه المرة توليد الأفعال في الحياة الاجتماعية، وظهور الوعي الفردي كوعي اجتماعي في المجتمع وفي التاريخ، والآجال أكثر الموضوعات تناولا تتلوها الأرزاق ثم الأسعار، وكأن عمر الإنسان أهم من رزقه وكسبه، ثم تأتي أسعار السوق في النهاية، وإن شئنا فإن موضوع الأسعار أقل الموضوعات الثلاث تناولا، فكلما اقتربت العقائد من المصالح العامة توقفت واقتصرت على النظر دون العمل، مع أن الأرزاق والأسعار تعم بهما البلوى، ثم تدخل مسألة الفقر والغنى في «اللطائف» مع بعض المسائل الطبيعية وكأنها لا أهمية لها أو كأنها مسألة طبيعية كونية قدرية وليست مسألة اقتصادية اجتماعية سياسية.

40

وتظهر مسألة الآجال والأرزاق والأسعار في مباحث العدل والتجوير بعد الختم والاستثناء والهدى والضلال.

41

وقد تظهر الأرزاق في أول مسألة العدل كما يظهر الغنى والفقر في وسطه أو في آخره.

42

وقد تظهر في ختام خلق الأفعال قبل موضوعات خلق الأفعال مثل شمول الإرادة للكائنات والقضاء والقدر، وبعدها تأتي الحسن والقبح مما يدل على أنها إحدى موضوعات العدل، وهي جزء من السمعيات لاعتمادها على الأدلة السمعية أكثر من اعتمادها على الأدلة النقلية.

43

مما يدل على اعتمادها على حجة السلطة وليس على حجة العقل، ولما كان السلطان هو المثل للسلطة، فإنه قام بتفسيرها لحسابها؛ ومن ثم ظلت خارج التعقيل والتنظير دون برهان.

44 (2-1) الآجال

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٩٣