29 (1-7) الاستثناء في الإيمان
هو نتيجة للسؤال عن أفعال الشعور الداخلية، وهو إرادة الكفر والإيمان، وفيه تتحول القدرة الإلهية تحولا مباشرا ضد الحرية الإنسانية من أجل إثبات سلطان القدرة المطلقة، حتى ولو ابتلعت الحرية الإنسانية وقضت عليها نهائيا، فالرد بالإيجاب يعطي للقدرة الإلهية كل سلطانها على حساب الحرية الإنسانية مغالاة في عواطف التأليه وهي المغالاة التي تتحول أحيانا إلى عكس المقصود، ولما كان باستطاعة العقل التمرد ضد القدرة الإلهية دفاعا عن الحرية الإنسانية يحدث إثبات القدرة لا بالقياس بل بالاتباع، ودون العقل بل بالنقل، هذا فضلا عن أن مقولتي الإيمان والكفر أكثر غموضا من السؤال المطروح، ويجيبان عن الغامض بغموض أكثر، وهل العبرة بالنهاية وحدها دون أخذ في الاعتبار تجربة الحياة الإنسانية ومسار التاريخ؟
30
أما الرد بالنفي فإنه يقيم التنزيه على أساس إنساني وهو إثبات الحرية الإنسانية دون ما مزايدة في الإيمان، اعتمادا على العقل دون النقل، وتأكيدا على شرعية الموقف الإنساني ومقاومة لكل اغتراب ديني؛ فالإنسان يعيش في هذا العالم إنسانا وليس إلها، والله يخاطبه في وحيه إنسانا وليس إلها، والغرض في كلتا الحالتين إثبات الحرية الإنسانية.
31
وقد يتم الجمع بين الإثبات والنفي بالإقلال من حدة القدرة، لا من حيث السلطان بل من حيث المعنى؛ فالإرادة الإلهية هنا لا تعني التدخل المباشر، بل تعني الحكم النظري، وبالتالي تصبح الإرادة حقا نظريا لله وليس إجراء عمليا منه، ولكن حتى في هذه الحالة فإن تحول الإرادة من العمل إلى النظر قضاء على أحد مظاهر سلطانها، وبالتالي يكون الجمع بين الإثبات والنفي أقرب إلى النفي.
32
وقد ينقلب السؤال على نحو آخر، وبدل أن تتدخل القدرة الإلهية لصالح الإنسان تتدخل لغير مصلحته، فيكون: هل الله مريد للمعاصي؟ ويؤكد الرد بالإيجاب على سلطان القدرة المطلقة، ولكنه من ناحية أخرى يقضي على الحرية الإنسانية، كما أنه يجعل الله مصدرا للشر ومسئولا عنه ويجعله مضادا للمصلحة الإنسانية وضارا بحاضر الإنسان وبمستقبله.
33
وقد يجمع بين الإثبات والنفي لإثبات المطلبين معا، القدرة المطلقة ومصلحة الإنسان؛ وذلك بالتفرقة بين فريقين: من يستحق المدح وهو المؤمن ومن يستحق الذم وهو الكافر، يأتي الأول نفع في الحقيقة ويصيب الثاني ضرر في الحقيقة.
34
والحقيقة أن هذه التفرقة لا تقوم على أساس واضح، فما هو الإيمان وما هو الكفر؟ تصوران يصعب تحديدهما، وبالتالي يكون ذلك بمثابة توضيح مسألة بمسألة أخرى أكثر منها غموضا، كما أنها تفرقة قد تثبت الضرر الفعلي للإنسان وتجعل المؤله مصدرا للضرر، وهو ما يتنافى مع عواطف التأليه في أن الله مصدر للنعمة والعفو والرحمة، وهي أيضا تفرقة لا يقوم بها إلا من استحق المدح حتى يستأثر بالنعمة بمفرده ويفرح بأضرار الغير، فهي قسمة إذن تقوم على إحساس «صادي»، حب الذات، وكراهية للغير. وقد يتم الجمع بين الإثبات والنفي بالتفرقة في ميدان الضرر، فالضرر لا يقع في الدين بل في الدنيا، ولا يقع في عالم الأرواح بل في عالم الأبدان.
35
والحقيقة أن هذه القسمة أيضا تثبت الضرر، وتجعل الله أيضا مصدرا للشر، وتواري عنه صفات الرحمة والعفو كما تقتضي بذلك عواطف التأليه؛ وهي قسمة تثبت الضرر المادي مع أن الضرر المادي ليس أقسى أنواع العذاب، بل هو مجرد تخويف في الدنيا من السلطان لحرص الناس على مصالحه في الدنيا، وهي أيضا نظرية صادية تقوم على التلذذ بتعذيب بدن الآخرين، إن هذه الأسئلة التقليدية حول موقف قدرة الله ممن علم أنه لا يؤمن تضع صفتين مطلقتين كاملتين؛ القدرة والعلم موضع تعارض تمرينا للذهن في عملية التأليه، وتثير إشكالات أعظم مما تحل التمرين، وإذا كان الرد بالإيجاب فكيف لا تمنع القدرة المطلقة الكاملة الإنسان من فعل الشر؟ وكيف يخص الله أحدا بنعمة الإيمان ابتداء ولا يخص الآخر قبل انقضاء الحياة ونفاد تجربة العمر؟ ألا يؤدي ذلك إلى الاختيار المسبق بلا سبب وإلى الاختيار العشوائي، وبالتالي يؤدي إلى التحيز وعدم تكافؤ الفرص.