تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

91

هو فعل للطبيعة خارج الشعور واعتبارها إما قديمة لا شأن للإنسان بها أو حادثة بلا سبب وتحتاج إلى محدث.

92

يؤدي القول بالطباع دون الاختيار إلى إنكار البعثة والوحي. صحيح أن الواقع يتأزم ويستدعي الفكر ويمكن للطبيعة أن تبدع فكرها ويكون في الوقت نفسه مطابقا للوحي، ولكن ذلك يحتاج إلى طبيعة كاملة وإلى وقت طويل، ولا يبرأ من احتمال الخطأ؛ فالوحي هو عقل الطبيعة وفعل مع الطباع.

93

ولا يؤدي القول بالطبائع إلى إنكار الصانع، بل إلى إثبات حكمته. ليس الصانع حاويا أو ساحرا، بل حكيم خلق الأجسام وجعلها تتحقق طباعا طبقا لقوانين الكون من طبيعة الخلق. وموضوع التوليد هو تحليل لأفعال الطبيعة وليس الهدف منه صياغة أدلة على وجود الصانع. هو موضوع موجه إلى أسفل وليس إلى أعلى، وبالتالي تظل المحافظة على المستويات قائمة. وهو أكثر مدعاة للتنزيه؛ تنزيه الله عن القبائح والشرور، وأكثر مدعاة للعدل بالتأكيد على مسئولية الإنسان عن أفعاله واستمرارها في الكون. كما أنه أكثر مدعاة إلى تأسيس العلم الآلي وجعل الأفعال كلها متولدة عن بعضها البعض تجنبا للتشخيص. كل شيء خاضع لقانون سواء الأفعال الإرادية أم غير الإرادية، العضوية البدنية أم الشعورية الخالصة.

وإثبات المتولدات في الأفعال الإنسانية بإرجاعها للإرادة وترك أفعال الطبيعة متولدة لا فاعل لها هو إثبات لحرية الإنسان ولاستقلال الطبيعة في آن واحد؛ ومن ثم يمتد فعل الإنسان الحر إلى العالم من خلال حتمية قوانين الطبيعة.

94

وقد يصل الأمر إلى حد اعتبار أن أفعال الإرادة أيضا خاضعة للأسباب وأن الإنسان قادر متى أخذ بالأسباب على إتيان كل الأفعال، أفعال الإرادة وأفعال الطبيعة، على سبيل التولد. وهنا يتأسس العلم الطبيعي الآلي، وتصبح الإرادة الحرة جزءا من قوانين الطبيعة وأحد عوامل الخلق فيها.

95

وقد يكون التولد بالطبع دون تفصيل في الأسباب. كما قد يصل القول بالطبع إلى أن تكون أفعال الإرادة ذاتها بالطبع وأن يكون الإنسان قادرا حتى على خلق أفعال الشعور الداخلية بالطبع.

96

وقد يقع فعل واحد من فاعلين لما كان الفعل يحدث في الطبيعة وكانت الطبيعة قابلة لأفعال الإنسان، ودون أن يكون أحد الفعلين خلقا والآخر كسبا، أحدهما لله والآخر للإنسان. فكلاهما للإنسان، لفاعلين مختلفين.

97

وإذا ما فعل الله يفعل طباعا، طبقا لقوانين الطبيعة وليس ضدها.

98

وقد يؤثر البعض جعل التولد في أفعال الإنسان وحدها في نفسه وليس في غيره خوفا من حتمية الطبيعة وإيثارا للحرية. موضوع التولد إذن هو مبحث في الطبيعة كما أنه مبحث في الفعل الإنساني، في حرية الأفعال وبقائها في الطبيعة بقوتها الذاتية الكامنة وبآثارها في الأغيار. يصارع فيه الفكر الإنساني الطبيعي الفكر الديني الإلهي حفاظا على حرية الإنسان وإثباتا لاستقلال قوانين الطبيعة.

| خامسا: أفعال الوعي الفردي والاجتماعي

أفعال الوعي الفردي والاجتماعي هي أفعال الشعور في ذاته وفي الآخر، في الفرد والمجتمع؛ فهي متجهة هذه المرة ليس إلى الطبيعة وعالم الأشياء، بل إلى المجتمع وعالم الآخرين، فالتوليد هو استمرار لأفعال الشعور ليس فقط في الطبيعة من خلال حركة الأجسام في الأكوان والاعتماد والتأليف والمماسة والمجاورة، بل أيضا من خلال أفعال الآخرين في المجتمع، وقد كان يبرز سؤال باستمرار: لماذا يوجد توليد الطبيعة ولا يوجد توليد في المجتمع والتاريخ؟ وقد سميت أفعال الوعي وليس أفعال الشعور؛ لأن الأفعال هنا ليست مجرد موضوع لإثبات الحرية، بل لأنها تكشف عن الحرية القائمة على الوعي، سواء في أفعال الشعور الفردية أو في أفعال الشعور الاجتماعية، فالشعور هنا هو الوعي الفردي والوعي الاجتماعي.

والعجيب أن أفعال الوعي هذه عند القدماء ليست مهمة ولا تدخل في صلب موضوع خلق الأفعال، وكلما كان الأمر مهما تعم به البلوى وتتوقف عليه مصالح الناس أبعده القدماء مثل هذه الأفعال ومثل موضوع الإمامة. فهي مجرد أمور «صرح بها القرآن وانعقد عليها الإجماع».

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٨٤