77
والاعتماد وصف بديهي لأثر حركة اليد أو الجسم على الأشياء.
78
ولكن هل يولد الاعتماد أم يتولد بالحركة والنظر والمجاورة؟ هل الاعتماد جسمي أم معنوي؟ هل يستطيع الإنسان أن يفعل من غير مماسة؟
79
الحقيقة أن تحليل الفعل على المستوى الطبيعي هو خروج على المستوى القصدي. فسواء كان الإدراك يتم بفتح إرادي للجفن أم لا، فذلك وصف خارجي محض لعملية الإدراك أو التأليف الحاصل عن المجاورة وأنواع المجاورة. والألم الحادث عن الوهن، كل ذلك أوصاف لا دلالة لها بل افتراض عقلي خالص، كقسمة التأليف الحادث عن المجاورة إلى خمسة أجزاء، وتقسيم القدرة إلى خمسة أجزاء لكل جزء قدرة.
80
وبصرف النظر عن أنواع التوليد الطبيعي لأفعال الجسم أو الكائن الحي، فإنها تجري جميعا بالعادة أو بالطباع، أي طبقا لقانون. والقول بالعادة هو أيضا قول بالطباع، ولكن بلفظ آخر مثل لفظ الخلقة.
81
وحدوث الأشياء في المحل شبيه بحدوثها بالعادة أو بالطبع. ولا يعين المحل الكائن الطبيعي كواقعة مصمتة، بل هو موقف إنساني تتداخل فيه عوامل الفعل الإنساني كالباعث والقصد. ولا يعني نفي المحل كموقف مصمت أنها واقعة تحت فعل إرادة خارجية.
82
ولكن يظل لفظ «الطباع» هو اللفظ المفضل.
83
ولا تعني الطباع نفي السبب؛ فهي ليست ضرورة أو حتمية عمياء، بل تخضع لقانون طبيعي تجعل الحوادث تحدث طبقا له وتسمى طباعا.
وبالرغم من أن الأفعال المتولدة قائمة على القصود والدواعي، إلا أنها أيضا تثبت بالطباع.
84
فإثبات القصود والدواعي لا شأن له بإثبات القديم عن طريق الغائية، بل هو تحليل علمي موضوعي لبواعث الأفعال ومقاصدها.
85
والطبع لا ينافي القصد. يقوم الإنسان بفعله الذي يعبر عن طبعه وهو قصده. ويحقق الإنسان قصده وهو طبعه. ومقاصد الوحي طبيعة وفطرة، والفطرة لا تعارض القصد.
86
ولا يمنع الترجيح بين الدوافع بالطبع. ليس الطبع منافيا للغائية، إنما كان إثبات الأفعال حسب القصود والدواعي موجها ضد نوعين من الجبر، الجبر الديني الإلهي الذي يجعل المعبود فاعلا لكل شيء، والجبر العلمي الذي يثبت الأفعال بالطبائع. ومع أن الجبر العلمي أكبر رد فعل على الجبر الديني الإلهي القائم على التشخيص، إلا أنه ينكر القصد والباعث والغائية التي هي أيضا من الطباع. ليست الطبيعة عمياء، بل هي طبيعة عاقلة هادفة.
87
وكل محاولة للتوفيق بين فعلين لا تأتي بجديد؛ فالفعل الباقي باق بالاستطاعة الباقية. وهذا تفسير كاف ولا يحتاج إلى علة زائدة. والوصف العلمي يقوم على التفسير بعلل أقل لا بعلل أكثر.
88
فالقول بالطباع وبفعل المعبود في آن واحد تفسير لظاهرة بعلتين، الأولى كافية والثانية زائدة. بل إن القول بالسبب بالإضافة إلى الطبيعة رغبة في إثبات أفعال المعبود وخوف من الاستقلال التام للطبيعة. وفي هذه الحالة تحدث الأفعال المتولدة باجتماع السبب والطبيعة معا. والقول بالطباع وإن كان يمثل تقدما هائلا بالنسبة للفكر اللاهوتي في الطبيعيات إلا أنه حين يفسر بقاء الفعل والاستطاعة يغفل أثر القدرة الأولى وكأن الواقع يتحرك بنفسه دون ما تدخل من إرادة الإنسان المستمرة في الأثر. ليست حركة الواقع فقط نتيجة طبيعة الأشياء، بل نتيجة طبيعة الأشياء والفعل الإنساني معا. لا يتغير الواقع بنفسه. ولا يغير الإنسان الواقع ضد طبيعة الأشياء. لا يحدث شيء في الواقع إلا وله محدث وهو الإنسان أو طبيعة الأشياء. ولا يحدث من شيء من الخارج، فالإنسان وطبيعة الأشياء كلاهما في العالم.
89
لذلك فإن القول بالطباع دون التوليد هو إنكار لأثر الإرادة في الواقع واستحالة لشكر الإنسان وثنائه وإحساسه بالتوفيق في إتمام مهمته.
90
وهو قول بطبيعة غير عاقلة وغير مريدة وإعطاء الطبيعة كل القوة وسلبها عن الإنسان