1
وهي مجرد أمور تخرج عن حيز المختصرات إلى المطولات، وهي أمور لفظية خالصة تخرج عن العقائد والشرع ولا تحتاج إلا إلى تفسير لغوي، وهي أمور لا داعي لأن تخطر بالبال، وإن خطرت بالبال فلا معصية في عدم معرفتها وعدم العلم بأحكامها؛ لأن البحث فيها يتطلب معرفة حقائق الأمور ، وهو أمر غير لائق بالعقائد التي يراد منها مجرد تهذيب الاعتقاد! هي أمور غير مهمة في الدين؛ إذ يكفي إبعاد الشك عن النفس في الذات والصفات والأفعال، أي في التوحيد. أما ما يتعلق بحياة الناس، ومصالح الأفراد والجماعات، فلا يجوز الخوض فيها؛ لأنها مضيعة للوقت وانشغال بما لا يهم، فلا فرق في ذلك بين أفعال الوعي الفردي والاجتماعي حتى يحتكرها السلطان ويقررها وفق هواه.
2
وهي أمور تدفع إلى الغلو أو التقصير وتبعد عن التوسط والاعتدال.
3
صحيح أنها مسائل يصعب إصدار الأحكام عليها أو التعرف إليها؛ نظرا لأننا لم نشق قلوب الناس، ومع ذلك فإنه يمكن معرفة أوضاعها الاجتماعية وأبنيتها النفسية. فهي أمور عقلية مثل القدرة والاستطاعة والفعل، كما أنها مسائل نفسية واجتماعية تكشف عن أوضاع سياسية يريد السلطان السكوت عنها، ويتبعه عالم الكلام بإبعادها عن حريات الناس وتهميشها في العقائد حتى يتم إحكام مؤامرة الصمت عمليا ونظريا، سياسيا ودينيا.
وتنقسم هذه الأفعال إلى قسمين، أفعال الوعي الفردي وأفعال الوعي الاجتماعي؛ الأولى مثل النصر والسداد، والتوفيق والخذلان، الشرح والطبع، الفتح والختم، الهداية والضلال، النعمة والفضل والإحسان، العصمة، القوة والعون، الحول والتيسير ... إلخ، والثانية مثل: الأجل والرزق والسعر مفردا، أو الآجال والأرزاق والأسعار جمعا. ويلاحظ أن أفعال الشعور الفردي أكثر من أفعال الشعور الاجتماعي. الأولى متعددة تقرب من الثمانية عشر فعلا، والثانية محصورة في ثلاث. الأولى باستمرار أفعال في صيغة المفرد، في حين أن الثانية تكون أفعالا في صيغة الجمع؛ مما يدل على الطابع الفردي للأولى والاجتماعي للثانية، ولكن أهم ما يفرق الفعلين هو أن الأفعال الفردية مزدوجة الطابع في معظمها، في حين أن الأفعال الاجتماعية ليست كذلك. (1) أفعال الوعي الفردي
تنتظم أفعال الوعي الفردي في مجموعات ثنائية مزدوجة إيجابا وسلبا، وكأننا أمام فعلين متضادين أشبه بأحوال الصوفية، وذلك مثل: التوفيق والخذلان، الشرح والطبع، الفتح والختم، الهداية والضلال. وقد تختلف أطراف الأفعال المتضادة؛ فقد يكون النصر بدلا من التوفيق في مقابل الخذلان، وقد تكون الأفعال المزدوجة متماثلة متشابهة وليست متعارضة متضادة، إما إيجابا مثل التوفيق والسداد، العون والتيسير، أو سلبا مثل الطبع والختم، وقد يقع التجانس في أفعال ثلاثية وليست ثنائية، وغالبا ما تكون إيجابا لا سلبا مثل النعمة والفضل والإحسان، وقد تكون رباعية وغالبا ما تكون أيضا إيجابا لا سلبا مثل القوة والعون والحول والتيسير، وقد يكون فعلا واحدا بمفرده وغالبا ما يكون إيجابا مثل العصمة، فالأفعال في معظمها يغلب عليها الإيجاب (أربعة عشر فعلا هي: النصر، السداد، التوفيق، الشرح، الفتح، الهداية، النعمة، الفضل، الإحسان، العصمة، القوة، العون، الحول، التيسير) أكثر من السلب (أربعة أفعال وهي: الخذلان، الطبع، الختم، الضلال) مما يدل على أن الوعي الفردي أكثر إيجابية وتفاؤلا وقدرة على الخلق والإبداع والنجاح منه على السلبية والتشاؤم والاستسلام والرضوخ والفشل.
ويصعب تحديد المعاني الدقيقة لكل الألفاظ المتجانسة إيجابا مثل: الهداية والعون والتيسير والتوفيق، أو لكل الألفاظ المتجانسة سلبا مثل: الخذلان والضلال والطبع والختم. إنما المقصود منها شيء واحد وهو: هل يتم الوعي الفردي من داخله بفعل إرادته الحرة، أم من خارجه بفعل إرادة خارجية؟ وقد تكون الألفاظ أقرب إلى الترادف وإلى التمرينات العقلية للإجابة على هذا السؤال المبدئي. فالإجابة بعدم قدرة الوعي من داخله على الأفعال تفرز تراث السلطة التي تتمثل الإرادة الخارجية مشخصة في الله أولا ثم في السلطان ثانيا، والإجابة بقدرة الوعي من داخله على أفعاله تفرز تراث المعارضة التي تتمثل في جموع المحكومين وعامة الرعية؛ لذلك قد يذكر منها البعض دون البعض، وقد يتم التركيز على البعض دون البعض. يذكر التوفيق والخذلان والهداية والضلال والعون والتيسير والعصمة والطبع والختم، ولا يكاد يذكر الشرح والفتح والنعمة والفضل والإحسان والقوة والحول، ولكن يمكن فهمها قياسا، كما يمكن إضافة غيرها قياسا.