تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك أفعال لا تكون إلا متولدة، ولا تحدث ابتداء، مثل النظر المتولد عن العلم أو العلم المتولد عن النظر أو الفكر المتولد عن الباعث أو الباعث المتولد عن الفكر، وذلك لأن وجود المسبب مشروط بوجود السبب.

65

وأفعال القلوب المبتدأة هي أفعال الشعور. وقد يحدث فيها التولد حين تتولد فكرة من أخرى أو ظن من فكر أو إرادة من كراهة. وإذا كانت بعض الأفعال متولدة فذلك لا يعني أن تكون كل الأفعال متولدة وإلا وقعنا في مغالطة وهي تعدية حكم الجزء على الكل. لا تنقسم الأفعال المتولدة إلى أفعال شعور وأفعال جوارح، بل الذي يحدد البدء والتولد هو مدى أثر الفعل. الفعل القصير المدى يحدث منذ الحال الأولى، ولكن الفعل الطويل المدى هو الفعل المتولد. ويتحدد قصر المدى أو طوله بغاية الفعل، خاصة أم عامة، وبكمال الغاية، حسية أو معنوية، وبقوة الفعل، فردي أم جماعي، وبوضوح الرؤية، سطحي أم علي، افتراضي أم واقعي، مفروض أم يعبر عن مطلب حقيقي.

66

الإرادة متولدة من الباعث؛ لأنها ليست شيئا آخر إلا قوة الباعث الذي يتولد منه المراد؛ لذلك جعل البعض الأفعال المتولدة هي أفعال الشعور لا أفعال الجوارح؛ لأن الفعل الإنساني هو فعل الشعور، أما أفعال الجوارح فهي أفعال بدنية خالصة تحدث بطبيعة العضو وتكوين الكائن الحي. والسبب في الأفعال المتولدة هو بقاء الاستطاعة الأولى في الحال الثانية، وهي أقرب إلى أفعال الشعور.

67

وقد تكون أفعال الشعور وأفعال الجوارح معا أفعال الإرادة، وتقع كلها حسب الدواعي والقصود. كما أن الأفعال ابتداء أو الأفعال المتولدة كلاهما يقعان حسب الدواعي والقصود. وقد ثبت التولد بإثبات أفعال متولدة تقع حسب القصود والدواعي.

68

ويؤثر البعض جعل أفعال الإنسان أفعال الجوارح أي أفعال الإرادة لأنها هي التي تظهر فيها الحرية وما سوى ذلك من أفعال الشعور فإنها تحدث طباعا.

69

وربما تترك أفعال الجوارح وأفعال الشعور معا بلا تحديد لفعلها، فكلاهما قد يحدث مرة طباعا ومرة أخرى اختيارا. وتثبت الأفعال المتولدة بإثباتها ناشئة عن القدرة كالأفعال ابتداء.

70

وأحيانا يصعب التفرقة بين الاثنين كما هو واضح في سؤال: هل المقتول بإرادة القاتل أم بقتل المقتول؟

71

وقسمة الأفعال إلى بدنية من فعل الإنسان وشعورية من فعل الله قسمة تقوم على الرغبة في الجمع بين الفعلين كمحاولة أخيرة قبل خروج الفكر العلمي واستقلاله. وكان من الطبيعي إعطاء الإنسان الفعل البدني الخالص، والله الفعل الشعوري الخالص؛ فهو أكرم وأشرف.

72

وقد يكون هناك خلاف على الأشرف؛ فقد يكون الأشرف لله أن ننسب إليه أفعال الطبيعة وليس أفعال الإرادة؛ تنزيها له عن فعل القبيح وحرصا على حرية الإنسان. ولما كانت الطبيعة أقوى من الإنسان، فإنه يكون شرفا أن تعطى لله أفعال الطبيعة دون أفعال الإنسان.

73

ولما كان الإنسان قادرا على الأفعال المتولدة، فإنه يقدر على الصفات الثانية للأشياء في الطبيعة كالألوان والأصوات والطعوم والأراييح.

74

فالإحساسات الخمس متولدة فيما بينها، أي مولدة إحساسات وليست أفكارا حسية. وكثير من أفعال الإنسان تصدر بالتوليد مثل الأصوات والآلام والتأليف، بل إن أعمال الخلق كلها قائمة على التوليد.

75 (2)

التوليد في أفعال الطبيعة. ويظهر التوليد أيضا في أفعال الطبيعة وفي أفعال الكائن الحي باعتباره موجودا طبيعيا؛ فالطبيعة قائمة على تسلسل العلل واعتماد بعضها على البعض.

76

يحدث التولد في أجسام الطبيعة طبقا لقوانين الطبيعة. ولا ينفي التوليد أنه حاصل في الطبيعة كظاهرة طبيعية. التوليد ليس خلقا من الله أو اكتسابا للعبد أو حتى فعلا حرا له؛ لأنها أفعال طبيعية صرفة تخضع لقوانين الطبيعة، فالأفعال المتولدة لا فاعل لها.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٨٢