تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

44

ولما كان يفترض في المعبود العزم، فإن التوليد في أفعاله حد من قدراته وإعطاء القدرة للسبب؛ فتكون أفعاله مشابهة لأفعال الإنسان القائمة على اطراد العادات وارتباط الأسباب بالمسببات.

45

ولماذا يفعل المعبود التولد وهو قادر على الأفعال ابتداء؟ وما الغاية من وضع الأسباب في الطبيعة إذا كانت لا تفعل بذاتها ولا تستقل، ومهددة بالتوقف والاضطراب، بل والانعكاس في أية لحظة؟ ألا يؤدي التوليد إلى الشرك وإثبات مقدور لقادرين، المعبود والسبب؟ وإن كانت لا حاجة للمعبود للسبب يكون وضع السبب إذن عبثا. وإذا كانت المصلحة تقتضي في هذا العالم وضع الأسباب؛ فما المصلحة في وضعها في عالم آخر؟

46

لذلك فضل البعض جعل أعمال المعبود كلها ابتداء لا توليدا؛ لأن المعبود لا يحتاج إلى سبب في مقابل الإنسان الذي لا يقدر أن يفعل ابتداء ما يفعله بالتولد؛ لأنه في حاجة إلى الأسباب. وزيادة في التعظيم فإن ما يفعله المعبود يصح منه بدؤه. وحينئذ يكون السؤال: فما الداعي إلى التوليد؟

47 (3)

وقد ورد الأمر والنهي بالأفعال المتولدة كما ورد بالأفعال المباشرة، وذلك كحمل الأثقال في الحروب والإيلام. هناك أثر لفعل الإنسان بعد الموت في حياة الآخرين، مثل أثر القدوة على التغيرات الثورية وطاعة الجماهير، وأثر الفكر الثوري في تحقيق الثورة.

48

كما أن التوليد، بما أنه فعل الإنسان ومناط التكليف ويستحق عليه المدح والذم. النظر والعلم والاعتقاد وجميع أفعال الشعور قائمة على التوليد. ولا يعني وقوع ذلك في حياته فقط، بل يعني أيضا ترتب نتائج سيئة وضارة لفعله عند الآخرين. ليس الفعل المتولد هو الفعل الساهي والنائم، بل هو فعل إرادي مقصود من حيث الأثر والاستمرار. إن استحقاق الذم والمدح لا يتم على الفعل الوقتي، بل على الفعل المستمر، فلا يتغير المدح والذم بعد ظهور الأثر لأنهما حكمان قائمان على الفعل في الزمان وليس على الفعل اللحظي. وهذا لا ينفي إمكانية تغيير الإنسان لفعله حين يشعر بإمكانية فعل أفضل، فإذا غير الفعل تغير الحكم. ولكن يتم ذلك في حياته. فبعد الحياة لا توجد إمكانية تغير أو استدراك لا عن طريق التمني أو في حياة الآخرين.

49 (2-2) أقسام التوليد

تنقسم أفعال التوليد إلى ثلاثة أقسام: الأول عندما يفعل الإنسان في نفسه شيئا يتولد عنه فعل في غيره. وفي هذه الحالة يكون الفعل هو المولد والغير المولد منه ، ويكون الفعل هنا منتقلا من الذات إلى الآخر. والثاني عندما يفعل الإنسان في غيره أفعالا تولد عن أسباب يفعلها في نفسها. فالتولد هنا يخضع لقانون السببية دون ما حاجة إلى فاعل ومفعول. يكون الطرفان في هذه الحالة على المستوى نفسه، وتكون العلاقة مساواة بين علة ومعلول. والثالث عندما تكون المتولدات أفعالا لا فاعل لها، بل تخضع لقوانين عامة أو أن تكون الأعراض متولدة من أفعال الأجسام.

50

ولما كان التوليد ظاهرة إنسانية خالصة تشير إلى أن الإنسان هو في الحقيقة إمكانية تتعدى وجوده الزمني وحدوده البدنية وتعييناته في المكان، كما أنها ظاهرة طبيعية تشير إلى الكمون في الطبيعة وإلى أن الطبيعة تحوي في ذاتها أصل نمائها، وتكوينها وانتشارها، انقسمت أفعال التوليد إلى قسمين: التوليد في أفعال الشعور، والتوليد في أفعال الطبيعة. وشمل الأول أفعال التوليد بين الأنا والآخر. (1)

التوليد في أفعال الشعور. وهنا يكون التوليد في أفعال الشعور الداخلية؛ فالتركيز على فعل يولد فعلا آخر، وذلك لأن الشعور الداخلي حر الأفعال. وقد يعني هذا التوليد استمرار القدرة على الفعل، إما في حياة الإنسان بعد عجزه عنه أو بعد مماته بما يتركه من سنن وأفكار واتجاهات وجماعات وأحزاب وقوانين وتنظيمات وتشريعات؛ فأفعال الإنسان مستمرة حيا أو ميتا، وبقاؤه مستمرا غير محدود بالآجال. فمن سن قانونا بأن كل من يعترض أو يتظاهر فإنه يسجن، ثم يموت واضع القانون فإن أثره يظل من خلال قانونه، ويكون هو المسئول عن كل سجين ومعتقل إلى أن يتغير القانون بقانون آخر يبطل فعل القانون الأول. وقد لا تحدث آثار الفعل أثناء حياة الفاعلين قدر حدوثها بعد مماتهم في آثارهم وسننهم وقوانينهم بشرط توفر الهدف والقصد والنية.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٩