37
ولا يهم حدوث التوليد بسبب متوسط أو بعدة أسباب تؤدي كلها في النهاية إلى الفعل المتولد؛ فالفعل عادة عملية واحدة، واقعة سلوكية واحدة لا يمكن تجزئتها إلى أول ووسط ونهاية أو إلى أسباب تتركب وتتألف تؤدي في النهاية إلى المسبب. فهذه نظرية كمية لموضوع كيفي وتجزئة لكل، وتركيب لبسيط.
38
إن تعليل الظواهر ذات الأسباب المجهولة بفعل المعبود فكر أسطوري. فالظواهر التي لا تعلل بالعلل المباشرة يمكن تعليلها بعلل غير مباشرة وتكون أيضا عللا طبيعية. فإذا تم إدراك دون حواس فلا ريب أن هناك حاسة داخلية قد تم الإدراك بها، قد يكون حدسا أو معرفة طبيعية أو فكرة فطرية. وإذا تهيأت العلة وقع المعلول بالضرورة. وإن لم يقع المعلول فإما أن العلة ليست علة أو لوجود مانع آخر وهي علة معارضة أقوى من وقوع المعلول. وإرجاع غياب العلة مع وجود المعلول إلى تدخل إرادة خارجية مشخصة يظل فكرا أسطوريا.
39 (2)
نسبة الفعل إلى الإنسان دون الله، وذلك لأن البواعث ليست متولدة بفعل إرادة خارجية، بل هي من طبيعة الإنسان، من وجوده في العالم، ومن حضور الفكر فيه، وتمثله للغايات والمقاصد التي هي حقائق إنسانية عامة ممكنة تمثل بناء مثاليا للعالم، وهو البناء الواقعي الدائم الذي يمكن أن يتحقق بفعل الإنسان، والذي يعبر عن كمال الطبيعة، والذي لا يبقى واقعا إلا إذا حققه فعل الإنسان وظل حارسا له.
40
التوليد فعل إنساني خالص وليس فعل أية إرادة خارجية مشخصة. وعلى فرض أن هناك إرادة كاملة موجودة على الإطلاق تفعل فعلا مباشرا لأنها حياة مطلق فإنه ليس هناك ما يمنع من وضع الكون على نحو معين ابتداء ثم ترك الحوادث فيه لفعل التطور ولقوانين الطبيعة لما في الطبيعة من فعل وكمون. كل فعل لا يبدأ من عدم. وفعل الآخر إنما هو استمرار لفعل الأول ما دامت الأفعال كلها موجبة نحو غاية واحدة، وتصدر عن باعث واحد. ولولا الاستمرار في الفعل لكان الإنسان يفعل في هذا العالم نطا ويؤثر قفزا، لكل فعل قدرة، وهو إنكار لوجود الإنسان مع الآخرين ولوجوده في التاريخ.
41
ولا يحتاج التوليد لتدخل إرادة خارجية مشخصة تضمن بقاء الاستطاعة بعد الفعل لتوليد أفعال أخرى، بل يعني وجود عوامل جعلت الاستطاعة باقية مثل توافر الباعث عند الآخرين وارتفاع الموانع. ولا يختلف السبب الموجب باختلاف الفاعلين لأن السبب يفعل من جهة الإنسان.
42
التوليد وصف للفعل الإنساني وبقائه في الزمان أو هو وصف للفعل الطبيعي. وكل محاولة لوصف أي فعل خارجي عن الفعل الإنساني والفعل الطبيعي بالتوليد ما هو إلا إسقاط من الإنسان على غيره. وهذا الإسقاط ذاته ضد عواطف التأليه لأنه يجعل المعبود في حاجة إلى توسط بالسبب. وإثبات قدرة أعظم من السبب وقوع في الجبر وإلغاء للعلية ولاطراد قوانين الطبيعة وإنكار للتولد؛ أي وقوع في التناقض بإثبات شيء يؤدي إلى نفيه. ولا يقال إن القادر على الفعل ابتداء قادر عليه توليدا بطريق أولى لأن ذلك فكر ديني إلهي وليس فكرا دينيا علميا، وإسقاط لعاطفة وليس تحليلا لعقل. لا يعني حدوث التوليد من الإنسان أنه لا بد وأن يحدث من المعبود وإلا لكان أضعف قدرة لأن التوليد ليس وسيلة لإثبات قدرة أحد أعظم أو أقل، بل هو وصف لفعل الإنسان وأثره في الواقع وعلى الآخرين. ولا يعني عدم وقوع التوليد من المعبود عدم وقوعه من الإنسان؛ لأن التوليد واقعة إنسانية لها ما يثبتها في استمرار الفعل واطراد الأسباب والعلل. ولا تحتاج قوانين الطبيعة واطرادها إلى إثبات توليد في افعال المعبود؛ فهذا وضع طبيعي وجريان للعادة.
43
لذلك كانت الشبه التي قيلت في أفعال المعبود شبها حقيقية تبين أن إثبات التوليد تناقض ينافي عواطف التعظيم والإجلال. فالتوليد يدل على أن المعبود في حاجة إلى سبب آو آلة. وإثبات الفرق بين الإنسان والمعبود في أن الأول يحتاج إلى آلة، في حين أن الثاني لا يحتاج تمنيا لا يمنع من قوة المعارض، كما يؤدي القول بالتوليد إلى نفي الإرادة وإعطاء القدرة للسبب تفعل محل الإرادة، بل وتكون الإرادة خاضعة للسبب.