51
ويمكن ترك الفعل المتولد والإنسان على قيد الحياة بتغيير فعله المبتدأ مصححا إياه؛ ومن ثم يمحي أثره، والإنسان قادر على ذلك ما دامت الغاية واضحة والنية متوافرة. والقدرة على السلوك موجودة، والمانع غائب. فإذا ما تحقق من أن فعله ليس هو الفعل الأمثل، غير الفعل الأول إلى فعل ثان ومن ثم يتغير أثره معه. ويمكن للآخرين بعد حياة الفرد القيام بتغيير فعله أو إدخال تعديل عليه أو تركه إلى فعل آخر وتصحيح فعله؛ وبالتالي يتغير أثر الفعل الأول ويحل محله الفعل الثاني.
52
بل إن مجرد الاحترام المعنوي لشخص غائب نوع من بقاء الفعل بعد الاستطاعة الأولى. فاستطاعة الغائب فاعلة، إما لاحترام شخصه أو تقدير أمره أو تخليدا لذكراه. التوليد هو إثبات لفعل الجماعة ولوجود الجماعة ولحضور الجماعة وتأكيد لجماعة الحياة والخلق والانتشار. لا يضير الإنسان أن يبدأ فعله من فعل غيره أو أن يؤثر الغير في فعله. وما دام هذا الفعل قائما على نفس القصد ويهدف إلى نفس الغاية، فإن اتفاق الباعث والهدف يجعل اتفاق الفعلين أولى من الاختلاف. وإن حدث اختلاف في الأفعال فالفعل الأصح والأكمل يعدل ويصحح الفعل الآخر. وإن كان أحد الفعلين خطأ على الإطلاق غيره الفعل الثاني ونفاه وبدله إلى فعل صحيح. ولا يعني عدم وقوع الفعل إبطال التوليد، بل دخول فعل آخر أكمل من الفعل الأول وابتلاعه له في ميدان السلوك.
53
ليس الوقت الثاني والثالث في الأفعال هو وقت الحركة، بل توالي الأجيال. يستمر فيها طالما بقيت القدرة عليه حتى تأتي أفعال مضادة أو يضعف الأثر أو تتغير الظروف.
54
يتضح بقاء الفعل في العالم بعد الاستطاعة الأولى في أثر الأفعال وبقائها بعد حياة الفاعل. بل إن كثيرا من الأفعال لا يظهر أثرها الإيجابي أو السلبي إلا بعد حياة فاعلها. وهذا هو معنى الحضارة أو الإنسانية. الحضارة تراكم أفكار البشر وأفعالهم بعد انتهاء قائليها وفاعليها. تلك هي قدرة الإنسان على الخلود وتخليد ذاته بأفعاله الباقية. فلا تناقض إذن في وجود قدرة مع الموت لأن الموت في هذه الحالة قد تم التغلب عليه، فتحول إلى حياة دائمة. كما تم التغلب على العجز فتحول إلى قدرة دائمة. ذاك هو وضع الإنسان في الحياة؛ يحقق رسالته فيتحول وجوده النسبي إلى وجود مطلق، ووجوده الزماني إلى وجود أبدي.
55
وتبقى الأفعال أيضا بعد الاستطاعة الأولى؛ إذ يكفي أن يقرر الإنسان شيئا وهو على فراش الموت ثم يبقى فعله بعده كما هو واضح في الوصية أو في آخر توجيهاته. لا يعني العجز أو الموت نهاية القدرة أو الاستطاعة بل يعني استمرارهما وفعلهما في الآخرين. لا يعني العجز والموت والعدم نهاية الفعل، بل يكشف عن استمرار الفعل عند الآخرين. خطأ الشبهة إذن ناتج عن تصور الفعل على أنه فردي خالص وعلى أنه فعل بدني ينتهي بانتهاء الفرد أو بعجز العضو وليس الأثر المعنوي عند الآخرين وفي التاريخ.
56
ولا يوجد واقع خارج عن بقاء الاستطاعة يؤثر فيه الإنسان إذا كان الواقع ممتدا تحت طاقة الإنسان وعلى مداها. أما الظواهر الطبيعية الصماء التي تخرج عن نطاق الفعل الإنساني ومدى الطاقة فهي تتبع نظام الطبيعة الثابت.
57
الفعل مرهون بالقدرة وحدها وليس بالمقدور عليه. إذا توفرت قدرة الكتابة فإنها لا تعني الكتابة على الهواء؛ لأن الفعل له ميدان تحققه الموضوعي وشروطه الموضوعية. كما أنه يتحقق بالقدرة وهي شرطه الذاتي مع الباعث والغاية. لا تزال الأفعال المتولدة أفعالا مقصودة مروية؛ فهي ليست مجرد أفعال آلية. ويظل أثر القدرة طالما تمثلتها أفعال بشرية مقصودة مروية. لا يقع الفعل بقوة معدومة بل بقوة موجودة مستمرة بعد الفاعل الأول.
58
ولا يعني بقاء القدرة في الحال الثاني أنها تبقى آليا من نفسها بل تتجدد القدرة بحيوية الباعث المستمرة وبالوضوح الفكري الدائم وبمثول الغاية. يوجد العلم والإرادة مع الموت وذلك بتبني الآخرين الأحياء لهذا العلم ولهذه الإرادة. ليس الفعل فعلا فرديا فحسب بل هو فعل جماعي.