تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24 (2-1) حجج إثبات التوليد

ومع أن إثبات التوليد لا يحتاج إلى أدلة؛ فهو تجربة واقعية وشهادة حسية ضرورية، إلا أن هناك عدة أدلة تثبت وجوده سواء كانت نقلية أم عقلية، منها: (1)

يثبت التوليد بإثبات العلية أو السببية؛ لأنه يقوم عليها وعلى التوسط بالسبب. يحدث الفعل بتوسط سبب لا بطريق مباشر، خاصة إذا كان الفعل يتطلب قدرة أعظم من القدرة الأولى ولا يمكن أن يحدث بالقدرة في الحال الأول. فكثيرا ما أثرت فكرة في التاريخ، وامتد أثرها أضعاف ظهورها في الحال الأول. إن الفعل الأول القائم على صفاء الباعث وكمال الغاية متطور بطبيعته وقادر على احتواء أكبر قدر ممكن من الواقع.

25

وقد يكون السبب نوعين، سبب معنوي فكري نظري خالص مثل الأفكار والسنن والقوانين وأثرها في التاريخ، وسبب مادي مباشر وهو العلل المادية في الظواهر الطبيعية.الأولى أسباب غير مباشرة أو معنوية والثانية أسباب مباشرة أو مادية. لا يحتاج إثبات التولد إذن إلى إثبات التوسط بالسبب المادي وحده؛ فالتولد بقاء معنوي للفعل الأول واستمراره في الزمان. ليس الفعل هو الفعل الطبيعي فحسب الذي يحتاج إلى مسبب مادي متوسط حتى يحدث أثره بل هو أيضا الفعل الإنساني الذي يحدث أثره بتحوله إلى باعث مستمر في شعور الآخرين أو إلى إبداع مستمر في شعور الإنسان كما هو الحال في أفعال الشعور من اعتقاد ونظر وخلق؛ ومن ثم يكون السؤال عن سبب الفعل، هل هو السبب أم القادر؟ سؤالا بغير ذي دلالة لأن الفعل هو صاحب الأثر. والأسباب لا تؤثر بنفسها دون فعل إنساني. النار تطهى وتحرق، والفعل الإنساني هو الذي يجعلها إما تطهى أو تحرق. وكل سؤال عن السبب المباشر في الطهي والإحراق، هل هو الإنسان كفعل أم النار كسبب؟ سؤال تحت الدلالة، وما تحت الدلالة أو فوقها لا معنى له.

26

المتولد هو الفعل الذي بسبب مني يكون في غيري. وقد يقع في نفسي وقد يقع في غيري. وقد تتولد الأفعال في الثاني والثالث والرابع إلى ما لا نهاية حتى يضعف أثر الفعل ما دام السبب الأول قائما، وما دامت القدرة ما زالت مؤثرة. يحدث التولد آليا دون توافر القصد والنية والغاية وإلا كان فعلا مباشرا.

27

فإذا ما ترك السبب هل يبقى المسبب؟ يمكن بقاء المسبب حتى بفناء السبب ما دامت القدرة حالة في الأشياء.

28

تبقى الحرارة وتنتقل بالمجاورة والمماسة بالرغم من انطفاء النار الأولى. لا يهم السبب الأول في الفعل، فقد تتداخل في الفعل عدة أسباب، اليد والآلة وطبيعة الجسم المضروب، وليس سببا واحدا.

29

وقد تنعدم الأسباب والمسببات وقد تكون مصاحبة لها، وقد يكون التقدم بأكثر من وقت.

30

والعلاقة بين السبب والمسبب علاقة حتمية ضرورية، إذا وجد السبب وجد المسبب.

31

ولكن هل يوجد السبب دون فاعل؟

32

هل يوجد السبب دون قدرة؟

33

هل يجوز أن يقع الفعل من الله بلا سبب؟

34

إن موضوع السببية هو موضوع العلية؛ فالصلة بين السبب والمسبب هي الصلة بين العلة والمعلول، مرة بألفاظ المتكلمين ومرة أخرى بمصطلحات الحكماء. ونظرا لتقدم الاستطاعة على الفعل فإن العلة تكون متقدمة على المعلول كتقدم السبب على المسبب.

35

العلة عند القدماء هي العلة الفاعلة مع أن العلة الغائية هي العلة الفاعلة الحقيقية؛ فالغايات هي المحركات كبواعث. السبب الحقيقي للإرادة هو الباعث، والباعث هو السبب الإرادي. ويشمل الباعث الدواعي والمقاصد والغايات، وهي الأفعال الإنسانية المستمرة في العالم الإنساني.

36

لذلك هناك فرق في التوليد بين السبب الطبيعي المادي الذي يحدث بقاء الشيء مثل الجهد الإنساني، والسبب المادي الصرف. فنبات البذرة تعني أن جهد الإنسان هو الفاعل الإنساني ولا تعني أن الإنسان قد دخل البذرة وأنبتها. يحدث الفاعل الطبيعي طبقا لقوانين الطبيعة.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٧