تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19 (2)

تصور الفعل في محل أي في مكان لا قبله ولا بعده وكأنه نقطة ساكنة على خط ساكن. في حين أن الفعل تعبير عن القدرة، والقدرة حركة، والفعل حياة؛ ومن ثم كان أثره أقرب إلى الحركة منه إلى السكون، ومن الكيف منه إلى الكم. إنكار التوليد إذن نظرة تقوم على الانقطاع لا على الاتصال، على التجزئة في الكم لا على التواصل في الكيف؛ مما يجعل الفعل الإنساني مبتورا من النهاية، محاصرا منذ البداية، نهرا مغلق المصب. (3)

نفي قانون العلية وإنكار الصلة الضرورية بين العلة والمعلول. فالسهم يصدر ولا يصيب، والحجر يقع ويتعلق في الهواء، والنار تسري في القطن ولا تحرق! وهذا هدم لقوانين الطبيعة وقضاء على العلم. حينئذ تعظم الخرافة بإثبات أن المؤله المشخص هو الذي يتدخل لإيقاف السهم أو إيصاله أو في تعليق الحجر أو إسقاطه أو في إحراق القطن أو تبريده! وكأن هذا التدخل المتوهم هو أعظم دليل على وجوده وقدرته وإرادته! إن نفي التوليد إنكار لقانون العلية وإنه طالما وجد السبب وجد المسبب، ويكفي أن تحدث القدرة السبب أولا ويظل الفعل للسبب بعد ذلك. التوسط بالأسباب في أفعال الطبيعة هو قوام الفكر العلمي والعملي. ولكن الفكر الديني الإلهي ينازعه سلطانه ويجعل فعل الأسباب من المؤله المشخص يتعامل مع الطبيعة مباشرة دون توسط بالأسباب. إنكار التولد يسلب الإنسان فعله، ويعطي المؤله أخص خصائص الإنسان. وأي التفسيرين أقرب إلى العقل والمشاهدة؟ تدخل المعبود المشخص في ظواهر الطبيعة لإحداثها أم إحداثها بفعل الإنسان؟ إن إنكار التولد يعني زحزحة الإنسان عن مكانه لإفساح المجال لقدرة المؤله المشخص وإثبات أفعال الإنسان والطبيعة له.

20 (4)

يحدث الله في المعلول مرة واحدة ولا ضمان لحدوث المعلول مرة ثانية إلا بقدرة متجددة في العلة؛ فالسهم يصدر ولا يصيب، والحجر يقع ويتعلق في الهواء، والنار تسري في القطن ولا تحرق، وهذا إنكار لقوانين الطبيعة واطرادها وإبطال للحياة الإنسانية. ولا يعني التولد غياب السبب مطلقا وزحزحة الإرادة الإلهية، بل يعني استمرار أثره. فالسبب مصدر الفعل أو القوة المؤثرة الناشئة عنه، وهي سنن الكون التي تحكم بها الإرادة الإلهية مسار العالم. تحكم الإرادة العالم بتوسط الأشياء وليس مباشرة.

21 (5)

مزاحمة الفكر الغيبي للفكر العلمي. إذ يتضح في موضوع التوليد الصراع بين الفكر الديني الغيبي، والفكر الديني العلمي. وهي المعركة الرئيسية في الطبيعيات. ويظل الفكر في التولد متذبذبا بين العاطفة والعقل، بين الخرافة والعلم. ويظل المؤله المشخص متحفزا باستمرار لسلب الإنسان كل ما يختص به، يعطي له أخص خصائص الإنسان. يظل الإنسان بلا عمل أو قدرة أو اختصاص. وإذا كان من وظائف التوحيد كونه فكرة محددة مهمتها التمييز بين المستويات، بين المادة والصورة، فإن المؤله المشخص يلغي عمل الفكرة المحددة ويخلط بين المستويات.

22 (2) إثبات التوليد

لما كانت الاستطاعة لا توجد فقط قبل الفعل أو مع الفعل، بل أيضا بعد الفعل ثبت التولد.

23

فالإنسان بعد أن يقوم بفعل مبدئي يبقى أثر هذا الفعل قائما، وتظل فاعليته سارية إلى أن تحدث موانع توقفها كفاعلية مضادة أعظم أو كضعف في تمثل الفاعلية أو تآكلها بمرور الزمن. الفعل المباشر هو الذي لا تبقى استطاعته في وقتين، في حين أن الفعل المتولد يحدث بأثر القدرة الأولى دون حاجة إلى بدء ثان. وكما أن القدرة في المبتدأ سابقة على الفعل فكذلك القدرة في المتولد سابقة على الفعل. والفرق بين القدرتين أن الأولى مباشرة والثانية متولدة. ولا يعني غياب الفاعل غياب الفعل؛ لأن الفعل مشروط بالقدرة لا بالفاعل. وما دامت القدرة موجودة فالفعل موجود. ولا يهم أن تكون القدرة المتقدمة باقية بفعل الابتداء أم باقية بإرادة خارجية. فلا معنى لإثبات إرادة خارجية تبقى على القدرة واستمرار الفعل ما دامت موجودة. والاستمرار في الوجود أسهل من الوجود ابتداء. لا يقع الفعل المباشر على الإطلاق بقدرة معدومة لأنه هو الفعل المبدئي. والأمر فعل. وطالما كان موجها فهو فعل، وفعله باق ما بقي الزمان، ولا يحتاج إلى أمر مجدد. الفعل للتكرار على ما يقول الأصوليون. التوليد إذن إما أن يحدث في الحال أو يحدث في الاستمرار. الأول كالفعل الناتج عن فعل آخر، والثاني كالفعل الذي يحتاج إلى وقت يختمر فيه وينضج ويظهر بعد مدة من الزمان.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٦