تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11 (4)

إن القول بأن التولد نتيجة لمجرى العادات لا ينفي التولد، بل يثبته ثم يفسره تفسيرا طبيعيا. وهذا ما يرفضه الكسب الذي يجعل مجرى العادات أيضا من خلق قدرة خارجية. ولا يمكن نفي مجرى العادات لأنه يثبت بالحس والمشاهدة والتجربة. ولا يمكن أن يكون من فعل إرادة خارجية وإلا لما كان مجرى العادات. فالعادة والإرادة نقيضان. العادة إرادة الطبيعة الكامنة فيها، وليست إرادة مشخصة خارجة عنها، معها أو ضدها.

12 (5)

وإذا كانت القدرة لا تبقى لا لنفسها ولا لبقاء يقوم بها، فإنها تبقى على الأقل في الأثر الذي يتركه الفعل وفي السنة التي يتركها الإنسان وراءه بعد الاخترام. تقوم الحجة على فكر ديني إلهي مقلوب وهو الاختلاف بين الذات والغير. بل إن قسمة الأشياء إلى جوهر وعرض فكر ديني إلهي مقلوب. الأشياء أشياء دون قسمة فيها إلى أولي وثانوي.

13

وقد تتحول الحجج الإيجابية لنفي التولد إلى شبهات سلبية ضد إثبات التولد، وهي شبهات يسهل الرد عليها على النحو الآتي: (1)

لا يعني التولد أن الفاعل فاعل وهو ميت أو غير قادر أو معدوم؛ لأن الفاعل هو مقدوره، والإنسان هو أثره، وبالتالي يظل فعل الوحي قائما حتى بعد الاخترام من خلال الأثر والسنة. بل إن فعل الإنسان قد يكون أكثر تأثيرا من خلال سننه وآثاره وأفكاره بعد الاخترام منه قبل ذلك. فقد يؤدي الحصار المضروب حول الفاعل الحي أثناء حياته إلى تقليص أثره، ولكن سرعان ما ينفجر هذا الأثر بعد فك الحصار وبعد الاخترام بفعل قوانين الطبيعة وفي مسار التاريخ.

14 (2)

لا يعني التولد إثبات مقدورات لا تتناهى للإنسان؛ لأن التولد كالفعل الأول داخل في حدود الطاقة. ومتى انتهى أثر الفعل الأول انتهى التولد، إما لضعف السبب الأول أو بمعارضته بسبب آخر أو لقدم العهد عليه. ولما كان التولد يتم في الزمان، والزمان متناه كان التولد متناهيا كذلك، إما بزمان الفعل أو بالأجل أو بالحياة.

15 (3)

ولا يعني التولد استحقاق المدح والذم بعد الموت استحقاقا مباشرا، ولكن يظل الحكم صادرا على الإنسان في التاريخ، إما مدحا إذا سن سنة حسنة وإما ذما إذا سن سنة سيئة ودون أن يلغي ذلك مسئولية الأفراد بتوجيه أفعالهم في أفعال التولد لأنهم باستطاعتهم توليد أفعال أخرى وإيقاف الأفعال المتولدة الأولى، مقابلة سنة بسنة، ومعارضة أثر بأثر.

16 (4)

ولا يقال إن ما يتراخى لا يقدر عليه العبد؛ لأن الإنسان قادر على الفور وعلى التراخي معا. واستمرار الفعل يبدأ بفعل. وقدرة الإنسان على الفعل قدرة في الزمان. ولما كان الزمان متصلا فإن القدرة على الفعل، بل والفعل ذاته يكون متصلا كذلك دون ما حاجة إلى تدخل إرادة خارجية. بل يتم ذلك من طبيعة الفعل ذاته وأثره في الزمان.

17 (5)

ولا تعني المشاركة تقسيم العالم إلى قسمين؛ قسم للإنسان، وقسم لغيره. فهذا إنكار لقدرة الإنسان وإمكانياتها، وإنكار لعواطف التأليه والتعظيم التي تود إثبات قدرة شاملة وحاوية لكل شيء. وكيف ينكر التولد والكسب نفسه قائم على التولد؟ الكسب مشاركة اجتماع إرادتين على شيء واحد؛ وبالتالي يكون فعل الإنسان في الكسب متولدا عن فعل المؤله المشخص؟ فالكسب يثبت التولد رأسيا بمشاركة الله الإنسان في الفعل في حين أن التولد يثبت أفقيا باستمرار فعل الإنسان في الطبيعة.

18 (1-2) مخاطر نفي التوليد

وينتج عن نفي التوليد عدة مخاطر على حياة الإنسان وأفعاله في الطبيعة وسيطرته على مظاهرها وعلى نشأة العلم القائم على العلية وأهمها: (1)

إنكار فاعلية الإنسان في الطبيعة كإنكار الجبر والكسب لها، وكأن الله هو الفاعل الحق في ظواهر الطبيعة وليس فقط في أفعال الإنسان، في حين أن إثبات التولد إثبات لقدرة الإنسان وإثبات لفعله في الطبيعة. إنكار التولد إثبات لعجز الإنسان وعدم استطاعته فعل شيء وإنكار لاستمرار الفعل الإنساني في الطبيعة على مظاهرها. والحقيقة أن ذلك خلط بين مستوى الحق ومستوى الواقع. فالله صاحب كل شيء حق نظري، والطبيعة مستقلة واقع عملي ، كما أنه تفسير حرفي للصور الشعرية التي تعبر عن هذا الحق النظري تأكيدا على وحدانية العالم من أجل ترسيخ وحدانية الشعور.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٥