تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

انتهى نفي الأسباب إلى الوقوع في التوكل وإلحاق الكسب بالجبر والتوحيد بالتصوف؛ لذلك كثر عن المتأخرين الاستشهاد بأقوال الصوفية.

6

ثم غلبت النزعة الصوفية على الأشعرية المتأخرة وأصبحت الدافع الأساس على نفي التوليد؛ فالله قادر على كل شيء في الإنسان وفي الطبيعة. وأصبحت المعجزات وخوارق العادات هي الظواهر الطبيعية وليس مجرى العادات وما يتفق مع المحسوسات والمشاهدات كما تقضي بذلك نظرية العلم.

7 (1-1) حجج نفي التوليد

وقد فصلت نظرية الكسب مثل عقيدة الجبر حججا في نفي التولد. فإذا كانت القدرة غير سابقة على الفعل، بل توجد فقط مع الفعل، ومع فعل واحد لا يتكرر ولا يتماثل ولا يختلف ولا يتضاد، فمتى تم الفعل فإن القدرة لا تبقى بل تذهب معه؛ ومن ثم لا يتولد فعل من فعل آخر ببقاء القدرة. وكما أن الاستطاعة في الكسب غير متقدمة على الفعل، فإنها أيضا لا تبقى بعد الفعل. ويحتاج الفعل في كل لحظة إلى استطاعة متجددة، لا هي سابقة على الفعل مهددة له، مستوفية لشروطه، ولا هي تالية له يمكنها أن تقوم بفعل آخر لأنها في هذه الحالة تكون سابقة عليه وهذا محال. الإنسان مجرد مستقبل لقدرات لحظية كشرارات كهربية تدفعه إلى الفعل ثم يعود إلى جموده من جديد. والحقيقة أن هذا الخلق المتجدد للقدرة على الأفعال هو القدرة الجديدة الناشئة عن الفرح بالقيام بالفعل والقوة غير المتوقعة التي تأتي للإنسان وهو بصدد تحقيق الفعل. هذه القوة غير المتوقعة نتيجة لبراءة الإنسان وطهارته، والتزامه برسالته من داخل الإنسان وليست من خارج الإنسان، من طبيعة شعوره ومخزون طاقته وليست من أي مصدر خارجي أو إرادة مشخصة.

8

وتتفصل حجج نفي التوليد على النحو الآتي: (1)

الاستطاعة عرض، والعرض لا يبقى زمانين. وهي حجة خاطئة؛ لأن الاستطاعة ليست عرضا بل هي من مقومات الجوهر. والإنسان غير القادر لا يكون إنسانا بل جمادا. ووجود مضادات للقدرة لا يعدم القدرة. القدرة لها شروط وموانع. وإذا عدمت لوجود الضد فإن الضد يعدم لوجودها. وإن عدمت لانتفاء شرط لها فإن الشرط عرض مثل القدرة. وإن كان جوهرا فكيف يبقى العرض مع انتفاء الجوهر؟ ولا يقال إن القدرة عدم محض؛ لأن العدم نفي، والنفي عدم وجود على الإطلاق. هذا كله نسيان أن القدرة الباقية هي الأثر، أي هي البناء الجديد الحادث من القدرة الأولى. فالبحث عن القدرة كعرض أو كجوهر أو كفعل عدم معرفة بطبيعة القدرة الباقية التي هي انفعال وليست فعلا. أما التولد الطبيعي، فإنه يدرس في علم الطبيعة، خاصة علم الآليات (الميكانيكا) فيما يتعلق بالجذب والطرد والقوة والمقاومة والفعل ورد الفعل. يظل السهم متحركا أو الحجر جاريا إلى أن تخف الحركة بالمقاومة أو بالاصطدام. وكذلك فعل الإنسان القائم على القصد والدواعي يظل أثره قائما إلى أن يضعف بقدم العهد أو بوجود أثر مضاد.

9 (2)

الأفعال في المستقبل كلها ممكنات، والممكنات واقعة تحت قدرة أخرى أعظم من قدرة الإنسان، وهي قدرة المؤله المشخص. والحقيقة أن ذلك هو المطلوب إثباته؛ وبالتالي تقوم الحجة على الدوران. كما أن الممكن لا يستند إلى شيء آخر غير الفعل الإنساني، وأن تحوله إلى فعل مرتبط بالقصد والباعث والغاية. الممكن إمكانية خالصة غير محددة، طاقة مخزونة في النفس لا تتحقق إلا بفاعليتها الداخلية وإمكانيات تحققاتها الخارجية.

10 (3)

إن اعتبار مقدور لقادرين لا يبطل التولد بل يثبت الغلبة. إن كان هناك شيء تجذبه قدرة وتدفعه قدرة أخرى، فإن حركة الشيء تتحدد بالقدرة الغالبة المؤثرة في الشيء المتحرك. وإن لم يتحرك الشيء تعادلت القدرتان وامحى الأثر على الشيء. كما أن ذلك افتراض مسبق وليس حجة بديهية. فالمقدور مقدور لقادر واحد بالإضافة إلى الموانع، ما دام الفعل لا يكون فعلا إلا في موقف.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٤