تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

358

والحقيقة أنها مشكلة إنسانية خالصة، وهي مشكلة الاختيار يسقطها الإنسان خارج ذاته على التأليه لمشخص ولا تحل إلا بإرجاعها إلى أصلها في التجربة الإنسانية. أما الحلول المتوسطة فإنها تكشف عن استحالة تصور الاختيار المطلق حتى في الله وكأن الجبر لا بد وأن يتسرب، وكأن الضرورة هي الجوهر والحرية هي العرض، وكأن الضرورة هي الوجود والحرية هي العدم.

359

وعجبا! إذا كان المقصود هو البحث في الحرية الإنسانية، فإن محاولة إثبات الضعف الإنساني لإثبات قدرة أعظم هي تخل عن القضية الأساسية وتملق للقدرة الجديدة المراد إثباتها على حساب قدرة الإنسان المنكرة. إنها ليست مجرد مسألة لفظية، بالرغم من قدرة تحليل اللغة على تحديد أشكال التعبير، ولكنها أعمق من ذلك، وتعبر عن عواطف التأليه والتعظيم والإجلال التي تفرض على العقل مقولاتها وعلى اللغة ألفاظها، وتعطي لله كل الحقوق وتسلب الإنسان جميع الحقوق. إن علم الله لا يعني الجبر، بل الحق النظري لله؛ لأن الجبر هو سلب الاختيار، والاختيار واقع بالمشاهدة والحس والتجربة. ولا يتعلق الاختيار بالإيجاد بل بالتأثير، بالفعل والترك فيكون حسنا مرة وقبيحا مرة أخرى؛ لذلك تتفق جميع فرق العقلاء على الاختيار كمناط للتكليف وكفعل للإنسان.

360

| رابعا: أفعال الشعور في الطبيعة

إذا كانت أفعال الشعور الداخلية هي أفعال القلب وأفعال الشعور الخارجية هي أفعال الجوارح، فإن أفعال الشعور في الطبيعة هي أفعال الشعور في العالم وأثرها في الأشياء وهو ما عرف عند القدماء باسم التولد، فالتولد مرتبط بأفعال الشعور في الطبيعة أكثر من ارتباطه بأفعال الشعور الداخلية أو أفعال الشعور الخارجية؛ نظرا لارتباطه بالعلم الطبيعي. وكأن المقصود منه ليس دراسة الأفعال وعلاقاتها بالبواعث والدوافع، أي بدايات الفعل، بل بالنتائج والغايات أي ثمرات الأفعال في الطبيعة.

1

لذلك يظهر التوليد عند القدماء جزءا من خلق الأفعال، تنطبق عليه نظريات الجبر والكسب والحرية، سواء في أفعال الشعور الداخلية أم في أفعال الشعور الخارجية، سواء في نظرية العلم في توليد النظر للعلم كفعل داخلي للشعور أو في نظريات الحركة، توليد الحركة في المتحرك كفعل خارجي للشعور.

2

ويؤدي الجبر والكسب إلى التوليد نفسه، وتؤدي الحرية إلى إثبات التوليد. (1) نفي التوليد

وطبيعي أن تؤدي عقيدة الجبر إلى نفي التوليد؛ فإذا كانت الأفعال مخلوقة من الله وأنه صاحب كل فعل في العالم سواء في أفعال الشعور الداخلية أم أفعال الشعور الخارجية أم أفعال الشعور في الطبيعة، فإنه لا يبقى شيء في العالم بعد الفعل يمكن أن ينسب إلى الفاعل لأنه لا قدرة للعبد أصلا؛ فالجبر ينفي التولد. ويؤدي هذا النفي إلى الملاحقة المباشرة لقدرة المؤله المشخص لكل ما يحدث في الطبيعة من أفعال البشر الداخلية أو الخارجية أو أفعال الطبيعة.

3

وتقترب نظرية الكسب من عقيدة الجبر في نفي التوليد. فالله وحده هو الخالق، وهو فاعل كل شيء في العالم بلا واسطة. ولا ينطبق الاكتساب إلا على أفعال الإنسان الفردية بشرط خلق القدرة من الله في ساعة الفعل. أما التولد فلا اكتساب فيه لأنه أفعال الطبيعة مباشرة ودون خلق قدرة فيها. فإذا كان للقدرة تأثير في أفعال الكسب فإنها لا تأثير لها على الإطلاق في أفعال الطبيعة. والخوف من تأثير القدرة الحادثة في أفعال الطبيعة أن تكون حادثة في كل شيء وخالقة ومبدعة لها، وهو افتراض نظري خالص مهمته الاصطدام بمواقف التعظيم والإجلال حتى يتم رفض الفعل في سبيل الانفعال.

4

وكما يتم إنكار تأثير القدرة الحادثة في الطبيعة يتم أيضا إنكار تأثير العلل الطبيعية ويقضى على السببية وحتمية قوانين الطبيعة. ثم يمتزج ذلك كله بالتصوف عند المتأخرين، فيتحول إلى مجرد توكل بالرغم من أن مباحث العلة والمعلول من الأمور النظرية العامة في نظرية الوجود عند المتقدمين. وبدلا من أن يرتبط الاكتساب بالعلية تم القضاء على الأسباب العادية وإلغاء تأثيرها. وعاد علم أصول الدين سنيا أشعريا، وانتهى موضوع خلق الأفعال والتولد مع انتهاء الاعتزال. فالله هو الفاعل لكل شيء، ولا توجد علاقة ضرورية بين العلة والمعلول أو بين السبب والمسبب. ويكفر كل من يقول بالسببية والعلية وفي مقدمتهم الفلاسفة أهل الضلال! بل رفض المتأخرون من الأشعرية اعتراف المتقدمين منهم بالتأثير بقوة أودعها الله في العباد وفي الأشياء، وكأن دليل التمانع يثبت الآن وحدانية الأفعال كما كان يثبت من قبل وحدانية الذات أو الصفات؛ مما يدل على أن مسألة الحرية هي إحدى تعينات الإلهيات.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٣