تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل الله قادر على جنس ما أقدر عليه عباده؟ وفي هذا السؤال تنتقل التمرينات العقلية من الطبيعة إلى الإنسان، ومن الرغبة في القضاء على الأجسام وقوانين الطبيعة لإثبات القدرة المشخصة المعظمة إلى الرغبة في القضاء على الحرية الإنسانية لإثبات القدرة المطلقة الحرة التي لا تقف أمامها قدرة حرة أخرى. وقد يكون إثبات القدرة رغبة في عدم الوقوع في التشبيه. فبالرغم من أن الفعلين من جنس واحد إلا أنهما غير متشابهين.

337

ويتجاوز السؤال فيتعدى كونه مجرد إعطاء فرصة للشعور لأنه من الطبيعي أن يقدر الله على جنس ما أقدر عليه عباده. وإثبات ذلك في الحقيقة لا يدل على عظمة زائدة، بل يكون مجرد تحصيل حاصل؛ لأن الله يقدر بطبيعة الحال على ما يقدر عليه الإنسان حتى لو كانت الإجابة المرجوة إثباتا للتعظيم، فلا يجوز عليه أن يقدر على ما يقدر عليه الإنسان، بل على أعظم منه، فإن القدرة على جنس الفعل لا تزيد كثيرا على القدرة على الفعل نفسه إلا درجة لا نوعا إن لم تكن أقل. فما أسهل الفعل عن طريق المبدأ العام الذي تندرج تحته الأفعال الخاصة! وما أصعب الفعل الخاص الفريد الذي لا يندرج تحت جنس معين! ويصبح للسؤال مدلول حقيقي إذا واجهت القدرة الفعل الإنساني الحر؛ وبالتالي يكون السؤال: هل تستطيع القدرة المعظمة أن تسيطر على الفعل الحر وتقضي عليه؟ والرد بالإثبات يعني أن القدرة المعظمة لها الأولوية والسيطرة على كل شيء حتى على الفعل الحر.

338

والرد بالنفي يكون إما لأن ذلك يثبت عظمة زائدة فما أسهل أن يقدر الله على ما أقدر عليه عباده، وإما إثباتا للفعل الحر واستقلاله كاستقلال الطبيعة.

339

ولإثبات الحرية يكون السؤال نفسه موضوعا وضعا خاطئا، فإن الله لا يقدر أحدا من العباد على فعل شيء بل يفعل الإنسان من ذاته طبقا لقدرته.

340

ومن الطبيعي أن تكون الإجابة إثباتا حتى عند المدافعين عن حرية الأفعال وقدرات العباد. فالمزايدة بديهية، وتملق الحس الديني لا يتنازل عنه العلماء أو العامة، بل إن الأعظم هو إثبات أن الله أقدر على فعل أجناس أخرى لا يقوى على فعل أفرادها قدرات العباد، أجناس غير مرئية يجهلها العباد أو مرئية يعلن العباد عن عجزهم أمامها مثل الطيران في الهواء أو اختراق حجب الفضاء أو السير على الماء.

341 (3)

هل الله قادر على ما أقدر عليه عباده؟ ثم يتعين السؤال أكثر ويتوجه ليس إلى جنس الفعل بل إلى ذات الفعل. فإذا كان المقصود به إعطاء فرصة للشعور للتعبير عن عواطف التعظيم والإجلال، فإن السؤال لا يعطي هذه الفرصة؛ لأنه ما أسهل على القدرة المعظمة أن تقدر على ما يقدر عليه الإنسان. وإذا كان المقصود هو إثبات قدرة مطلقة تحتوي على أية قدرة أخرى خارجها أي القدرة الإنسانية، فإن ذلك يكون تحصيل حاصل؛ لأنه ما أسهل من إثبات قدرة مسيطرة على قدرة الإنسان كقوى الطبيعة مثلا، ولكن ما أقساها على الإنسان ذاته بالرغم من استطاعة الإنسان السيطرة عليها!

342

وقد يعطي الرد بالنفي هذه الفرصة لأن الله لا يقدر على ما يقدر عليه الإنسان لأنه يقدر على أعظم منه. يفعل الإنسان الممكن ولكن الله يفعل المستحيل. وفي هذه الحالة يكون المقصود هو تجاوز الممكن إلى المستحيل. وقد يكون المقصود إثبات الحرية الإنسانية التي تعادل على المستوى الطبيعي استقلال الطبيعة عن تدخل أية قوة مشخصة من خارجها.

343

وقد يكون الرد بالإيجاب دون تعد على الحرية الإنسانية، فتثبت القدرة الأولى مطلقة ويكون الفعل منها بالضرورة، وتثبت القدرة الثانية محددة ويكون الفعل منها كسبا.

344

إذ تحاول نظرية الكسب الجمع بين إثبات القدرة المعظمة والفعل الإنساني المستقل، ويكون الإنسان حينذاك قادرا على الكسب، عاجزا عن الخلق.

345

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٧٠